قلعة وادرين محبرة وقلم

0 215

مشعل عثمان السعيد

معظم الألفاظ الكويتية القديمة مأخوذة من اللغة العربية، ومن يقل غير ذلك مال عن الصواب وكلف نفسه ما لا تسع. وقبل أن أدخل في صلب الموضوع سأذكر لكم بعض الأمثلة، فالناس تقول “جذيه” وهذه الكلمة أصلها: كذا ويقولون “هذولا” والأصل: هؤلاء، و”هذولاك” والأصل أولئك، و”لنّك” بالتشديد على النون والأصل : لأنك وأيضا “منيه” والأصل: من هنا و”منّاك” والأصل من هناك و”منين لي” والأصل: من أين لي، وسر على هذا المنوال حتى تمل.
ومن الكلمات القديمة قول الناس في الماضي: تودرنا، وهي كلمة مستخدمة حتى هذه الأيام، ويقولون: ودرناهم وتودّر وودّرته، وهذه الكلمات نخاطب بها المذكر، أما المؤنث فنقول: تودرت للمفردة وودرناها، ومن هنا كنا نسمع كثيرا قول الناس: قلعة وادرين – هذه العبارة نفهم ان معناها “روحة بلا ردة” ولكن لا نعرف ما المقصود بقلعة وادرين مع كثرة سماعنا لها فيقول الرجل: فلان راح وافتكينا منه، قلعة وادرين، ومن هذه العبارة اخذت كلمة ودرناه وودره، والعجيب ان معنى كلمة ودره في اللغة العربية هو نفس معناها في اللهجة الشعبية، ولا يختلف المعنى كثيرا لأن معنى ودره بالشدة المفتوحة على الدال: اساء اليه وتجاوز الحد في تعنيفه وسلّط عليه لسانه او ما شابه ذلك من معان قريبة، وهو المعنى في اللهجة، أما إذا عدنا الى اللغة العربية فنجد أن معنى ودره: أوقعه في مهلكة- بتليث اللام- وأغراه بما فيه هلكته، ويقال: ودر الشيء بمعنى نحاه، وبعّده، ويقال في اللغة أيضاً: ودر وجهك عني، اي أبعده عني، وودره ماله اي أسرف فيه.
أما قولهم قلعة وادرين التي ذكرتها آنفا فلها قصة تستحق الذكر لأننا دائما ما نتبع كلمة قلعة بوادرين، ومنها نقول: الوجه الودر، وهو الشخص غير المرغوب فيه البتة، وعندما نقول: قلعة وادرين فنحن نعني: عساه ما يرجع. او كما نقول: “دفعة مردي” والواقع ان كلمة او عبارة: قلعة وادرين لم تأت عبثا وإنما هي فعلا قلعة اسمها قلعة وادرين، وأقرب ما تكون من الحصن وهي قلعة بناها العثمانيون في منطقة تبوك في المملكة العربية السعودية قبل أن تقوم هذه الدولة بسنين طويلة، وفي هذه القلعة المكروهة يسجن الثائرون على الدولة العثمانية، وقد شيدت هذه القلعة المشؤومة عام 679هـ الموافق 1257م أي بعد انهيار دولة بني العباس بستة وعشرين عاماً، وكان الناس في تلك الأيام يكرهون ذكر هذه القلعة لأنها منفى للعصاة والذاهب الى هذه القلعة مفقود والخارج منها مولود، وقلعة وادرين في الأصل محطة لسكة الحديد ومخزن للسلاح والعتاد، وبها فرقة من الجنود الأتراك الأشداء ومن هذه القلعة ينقل السلاح الى ميادين القتال في جزيرة العرب، ما جعلها سجنا لأسرى الحرب من ابناء الجزيرة العربية الذين يسجنون فيها برهة من الزمن ثم ينقلون الى عاصمة الخلافة العثمانية استانبول، او كما كان اسمها في الماضي الاستانة، وقلة قليلة من الأسرى من ينجو ويخرج من قلعة وادرين سالماً لأنهم يعذبون بأنواع العذاب فيها، ولم تكن هذه القلعة للأسرى فقط، ولكن لكل معارض لهم، ومصيرهم الإعدام أو السجن، وقد قامت حكومة المملكة العربية السعودية بترميمها أكثر من مرة، لذلك كان الناس يقولون ومازالوا: قلعة وادرين. والسواد الاعظم منهم لا يعرف ما وراء هذه العبارة من معنى، أما اذا قلنا “انقلع” وحدها، فالمعنى هنا: اذهب لا أريد أن أراك. وأحيانا يقال بدلا من “انقلع”: فارج، وقد قلبت القاف هنا الى جيم حسب اللهجة الدارجة، وإلا فهي “فارق” بالأمر, وانقلع في لهجتنا مغايرة لمعنى قلعتك التي تقال للتشفي.
انتهى حديثي، دمتم سالمين، في أمان الله
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله
كاتب كويتي

You might also like