“قل للمليحة في الخمار الأحمر لا تجهري بدمائنا وتستري” محبرة وقلم

هذا البيت الجميل ورد في مراجع ادبية عدة، وقد غناه في ستينات القرن الماضي الفنان الكويتي الراحل عوض دوخي «صوت» وصاغه لحنا احمد الزنجباري، واشتهر شهرة واسعة، وقد ذكر صاحب كتاب «وفيات الاعيان» قاضي القضاة ابن خلكان، صاحب هذا البيت عاشقا لذات الخمار الأحمر، وواضح انها اية في الجمال وقد زادها الخمار الاحمر جمالا وبهاء،فذهب به العشق كل مذهب، لذا طلب من صاحبه ان يتوسل الى ذات الخمار الاحمر بألا تظهر، حتى لا تسفك دمه عيانا بيانا.
والخمار ثوب تغطي به المرأة رأسها، وهو قريب من الحجاب، والخمار مفرد الجمع منه: أخمرة وخمر، وقد ورد في القرآن الكريم حيث يقول المولى عز وجل: «وليضربون بخمرهن على جيوبهن…»، (النور… 31).
واذا اختمرت المرأة وتخمرت، لبست الخمار، وقد تغنى الكثير من الشعراء في الخمار الاسود والاحمر والاصفر، وحتى الخمار الكحلي، والخمار يزيد الجمال جمالا وبهاء ورزانة ومن هؤلاء الشعراء منتجب الملك محمد بن ارسلان المتوفى سنة 534هـ، الذي قال بالخمار الاحمر:
“قل للمليحة في الخمار الاحمر
لا تجهري بدمائنا وتستري
مكنت من حب القلوب ولاية
فملكتها بتعسف وتجبر
ان تنصفي فلك القلوب رعية
او تمنعي حقا فمن ذا يجتري؟
سخرتني وسحرتني بنوافث
فترفقي بمسخر ومسحر”.
ومحمد بن ارسلان صاحب هذه الابيات، من الفضلاء النبلاء، كما انه شاعر مجيد مدحه الامام الزمخشري ورثاه بعد وفاته، وما يثير الدهشة والاستغراب ان ابياته هذه تنسب الى شاعر غير معروف، وهو اشهر من نار على علم.
وبالعودة الى الخمار، فقد قال الشاعر العباسي «كشاجم» ابو الفتح محمود بن الحسين بن ابراهيم بن السندي (ت 360 هـ):
“قل للمليحة في الخمار الاكحل
كالشمس من خلل الغمام المنجلي
بحياة حسنك احسني وبحق من
جعل الجمال عليك وقفا اجملي
لا تقبلي قول الوشاي فانني
لم اصغ فيك الى مقال العذل
اني اعيذك ان يكدر اخر
بمقالة الواشين صفو الاول”.
وفي الخمار الاصفر قال القاضي التنوخي الحسن بن علي بن محمد المتوفى 384هـ:
“قل للمليحة في الخمار المذهب
ذهب الزمان وحبكم لم يذهب
وجمعت بين المذهبين فلم يكن
للحسن في ذهبيهما من مذهب
نور الخمار ونور وجهك نزهة
عجبا لخدك كيف لم يتلهب”.
كل هؤلاء الشعراء اغترفوا ابياتهم من بحر الناسك الدارمي الذي قال:
“قل للمليحة في الخمار الاسود
ماذا فعلت بناسك متعبد
قد كان شمر للصلاة ثيابه
حتى خطرت له بباب المسجد
فسلبت منه دينه ويقينه
وتركته في حيرة لا يهتدي
ردي عليه صلاته وصيامه
لا تقتليه بحق دين محمد”.
هذا الشاعر «مسكين الدارمي» هو: ربيعة بن عامر بن انيف الدارمي التميمي، احد شعراء العصر الاموي الاول، كان له مكانة في قومه، قريبا من معاوية ابن ابي سفيان وابنه يزيد، و«مسكين» لقب له لقوله ابياتا يقول في بعضها:
“انا مسكين لمن انكرني
ولمن يعرفني جد نطق
لا ابيع الناس عرضي انني
لو ابيع الناس عرضي لنفق”.
فاستوى له هذا اللقب، ولقب مسكينا، اما قصيدته المشهورة في الخمار الاسود فلها قصة جميلة، هذه القصة التي نرى من خلالها طيب معدن الدارمي وحبه للخير ومساعدة الغير، روي ان تاجرا عراقيا قدم الى المدينة المنورة ومعه سكر وأخمرة سود فباع السكر وكسدت الاخمرة، فاحس بانه سيمنى بخسارة فادحة فدله احد معارفه على مسكين الدارمي، وذكر له انه محبوب عند اهل المدينة من الرجال والنساء، ولو قال ابياتا في الخمار الاسود لا شترت النساء كل ما معه من اخمرة، فذهب التاجر العراقي الى الدارمي وتوسل اليه ان يقول ابياتا في الخمار الاسود، فوافق الدارمي حبا منه في مساعدة هذا التاجر الغريب وقال ابياته التي سارت بها الركبان في كل مكان، وانتشرت الابيات في المدينة.
وقالت النساء: “عدل الدارمي عن نسكه” واقبلن على التاجر العراقي واشترين كل ما عنده من أخمرة، حتى لم يبق خمار واحد، وعاد الدارمي الى ما كان عليه من عبادة ونسك وملازمة للمسجد، فجاءه التاجر العراقي، وشكره على معروفه، وعرض عليه المال فأبى ذلك، وعندما اراد معاوية البيعة بالخلافة لابنه يزيد من بعد اوعز الى الدارمي هذا بأن يقول ابياتا يذكر فيها ابنه يزيد على مسمع ومرأى من امراء بني امية والناس، فوقف على رأس معاوية واشار اليه قائلا:
“اليك أمير المؤمنين رحلتها
تثير القطا ليلا وهن هجود
على الطائر الميمون والجد صاعد
لكل اناس طائر وجدود
اذا المنبر الغربي خلى مكانه
فان امير المؤمنين يزيد”.
فلم ينبس احد من الجالسين ببنت شفة، واذعنوا لمعاوية، والدارمي هو صاحب الابيات السائرة التي يقول فيها:
“أخاك اخاك ان من لا اخا له
كساع الى الهيجا بغير سلاح
وان ابن عم المرء فاعلم جناحه
وهل ينهض البازي بغير جناح
وما طالب الحاجات الا معذبا
وما نال شيئا طالب لنجاح
لحا الله من باع الصديق بغيره
وما كل بيع بعته برياح
لمفسد ادناه ومصلح غيره
ولم يأتمر في ذاك غير صلاح”.
وهو ايضا القائل في الاحمق وهي ابيات حكمة:
“اتق الاحمق لا تصحبه
انما الاحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب
حركته الريح وهنا فانحرق
او كصدع في زجاج بين
او كفتق وهو يعيي من رتق
واذا جالسته في مجلس
افسد المجلس منه بالخرق
واذا نهنهته كي يرعوي
زاد جهلا وتمادي في الحمق
واذا الفاحش لاقى فاحشا
فهناكم وافق الشن الطبق
انما الفحش ومن يعتاده
كعزاب السوء ما شاء نعق
أو حمار السوء ان اشبعته
رمح الناس وان جاع نهق”.
جف القلم ونشفت المحبرة في أمان الله.

كاتب كويتي

Leave A Reply

Your email address will not be published.