قناة السويس الثانية ممر اقتصادي عربي جديد

بقلم د.غادة فايد
حين تبدأ السفن بعبور قناة السويس الجديدة يكون عهد اقتصادي جديد بدأ, ليس لمصر فقط, انما للعالم العربي كله اذا احسن استغلال هذه الفرصة التاريخية, فالتغيير الذي بدأ قبل 135 عاما في المواصلات البحرية وطرق التجارة العالمية مع افتتاح القناة القديمة بات اليوم اكبر لان المنطقة الاقتصادية التي ستنشأ على ضفاف القناة بممريها ستؤدي الى التخفيف من الاعباء عن كاهل العديد من الدول العربية, خصوصا اذا اخذنا بالاعتبار ان هذه المنطقة يمكن جعلها صناعية, وايضا مستودعا كبيرا للبضائع, واذا عملنا على خلق فرص عمل ليس فقط للمصريين, انما ايضا للعرب في بلدانهم.
فصناعة النقل البحري العربية لا تزال في طورها الجنيني, ولم نعمل طوال العقود الماضية على تطويرها بما يساعد على استغلال الموقع الستراتيجي العربي واطلالته على العديد من القارات في ايجاد نقطة اتصال تجارية ومعرفية, بل اننا لا نزال نعمل بذهنية القرن الثامن عشر في ما يتعلق بهذه الصناعة, ولم نستفد من التطورات التكنولوجية التي طرأت عليها الا في حدود ضيقة, ثانيا اننا لم نعمل على خلق مناطق تجارية وصناعية الى جانب الموانئ الكبرى, الا في حدود ضيقة, او بالاحرى في دبي وحدها كانت هناك منطقة تجارية حرة حقيقية تؤسس لصناعة نقل بحري حقيقي, لكن هذه لا تكفي, لان الموقع الجغرافي يؤدي دورا مهما في هذا السياق, فمصر حين تبني منطقة اقتصادية على ضفاف القناة فهي بذلك تبني منطقة على ممر حيوي يربط بين البحرين الاحمر والابيض المتوسط, وكلاهما تطل عليه دول عديدة, اضافة الى ارتباط البحر الاحمر بالمحيط الهندي وبحر العرب.
ان الاستثمار العربي في الدول العربية هو المخرج من الازمة, ليس من ازمة الاعتماد على الصناعات الاجنبية فقط, بل من ازمة الامن الصناعي والغذائي الذي يهدد دولنا كافة, فمناطق التخزين والمناطق الصناعية يجب ان ترتبط بمناطق استثمار زراعي وتربية مواشي, وهذه ايضا لها صناعتها التي تدر المليارات على الدول العربية, ثانيا فهي تساعد على خفض معدلات البطالة العربية الى الحدود الدنيا, فالعالم العربي يحتاج اليوم الى استثمارات ومشاريع انتاجية بنحو 1.75 تريليون دولار, والى اكثر من 55 مليون عامل, فيما البطالة تتجاوز في بعض الدول 23 في المئة, فيما الاستثمارات العربية في اوروبا والغرب, وخارج العالم العربي تصل الى 3.6 تريليون دولار, وهي مهددة بالخسارة لانها منصبة على الاستثمار العالي المخاطر, اكان في اسواق الاوراق المالية او السندات, ومجالات اخرى خاضعة للعوامل الداخلية لكل دولة من تلك الدول, فيما في العالم العربي يمكن ضمان الاستثمارات اولا من خلال امتصاص البطالة وخفض موجة الغضب الجماهيري منها, ثانيا لانها ستكون مرتبطة بسوق داخلية عربية, والفائض منها يجري تصديره الى الخارج, ثالثا ان هذه الاستثمارات ستؤدي الى فتح مجالات جديدة في افريقيا القارة التي لا تزال عذراء اقتصاديا رغم كل المشاريع التي تنهال عليها.
تستفيد مصر من موقعها انها اولا رابطة بين قارتي اسيا وافريقيا, ثانيا لانها تمتلك اعلى نسبة ايدي عاملة في العالم العربي بسبب تعداد سكانها الكبير, وثالثا لان طبيعتها الاجتماعية مساعدة على الاطمئنان للمستثمر, فطوال السنوات الاربع الماضية ورغم كل القلق الامني والسياسي الذي شهدته الا انها بقيت ملاذا امنا للاستثمار والدليل على ذلك ان المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ قبل اشهر شهد حضورا ملفتا للنظر وتهافتا من الشركات والمؤسسات على الاستثمار في مصر, وكل هذا مفترض ان يكون مصدر اطمئنان للدول العربية, وبخاصة الخليجية في الاستثمار في هذه الدولة.
صحيح ان الايدي العاملة المصرية تحتاج الى التدريب اكثر, لكنها في طبيعتها ايدي عاملة ماهرة, والتطوير والتدريب والتأهيل سمة من سمات الوعي الاقتصادي المحفز على زيادة الاستثمار, وكل هذا يمكن تحقيقه من خلال ضخ الاموال في المجالات الصناعية الجديدة ما سيؤدي الى وجود ارضية صالحة لتأسيس قاعدة استثمارية جديدة.
قناة السويس الجديدة يمكن ان تؤدي الى كل هذا, ولذلك هي ليست ممرا مائيا فقط لعبور السفن, انها ممر الى اقتصاد عربي جديد.