اتهم المعارضة السورية بتوزيع ولاءاتها بين الخليج وروسيا وأميركا وإيران

كريم مروة: “حزب الله” استدرج إسرائيل لتدمير لبنان اتهم المعارضة السورية بتوزيع ولاءاتها بين الخليج وروسيا وأميركا وإيران

كريم مروة

يجب تطبيق ما جاء في النصوص القرآنية من قيم التسامح وحق الاختيار

مغامرات عبدالناصر تمثلت في الوحدة مع سورية وحرب اليمن ونكسة يونيو

اجرى الحوار إلهامي المليجي

أن تجلس إلى كريم مروة، المفكر اللبناني الكبير، فأنت في حضرة الحيوية الفكرية، وفي حواره معنا، فجر أكثر من قنبلة موقوتة لا يجرؤ أحد غيره على الاقتراب منها، فقد قال بوضوح إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ارتكب خطأ فادحا في مصر حين دعم جماعات الإسلام السياسي وأوصلها إلى الحكم، وأن ولاية الفقيه بدعة إيرانية، وأن “حزب الله”استدرج إسرائيل لتدمير لبنان، وأن المعارضة السورية ارتكبت خطيئة باستخدامها السلاح، وأن اليسار لم يعد طليعيا، لكنه لا يزال يؤمن بما جرى من انتفاضات في الدول العربية، وأنه لابد من تجديد الخطاب الديني، ولم ينس أن يوجه سهامه لأمراء الطوائف في لبنان.. و إلى تفاصيل الحوار.
\ ما رأيك فيما يجري في سورية الآن؟
– عندما قامت الحركة الثورية في سورية في العام 2011، كانت استكمالا لما كان قد بدأ في سورية في مطلع الألفية الجديدة، حيث ظهر تيار ديمقراطي من المثقفين والنخبة السياسية يطالب بالتغيير .
الثورة السورية في بداياتها كانت رائعة حيث كانت سلمية، لكن النظام استطاع أن يستدرج القائمين عليها وتحويلها إلى مسلحة. ولي علاقات بعدد كبير من قادة الثورة السورية قلت لهم إنهم أخطأوا عندما انجروا إلى حمل السلاح، وأنهم سيدفعون ثمنا باهظا جراء ذلك، وهذا ما جرى .
\ الآن، الحركة الثورية السورية أين هي؟
– لقد انتهت المعارضة عما كانت عليه في بدايتها، كما أكد لي أحد أركانها، حيث توزعت إلى ولاءات خليجية وتركية وفرنسية وأميركية، ونجح النظام في أن يظهر وكأنه يحارب الإرهاب الذي أصبح يشكل خطرا على العالم بأجمعه.
وتخلت الأنظمة العربية عن دعم المعارضة السورية، فأصبح الوضع في سورية بين ثنائية “داعش” الإرهابية والنظام، ودخلت روسيا علي الخط كداعمة للنظام في مواجهة الإرهاب. مما أعطي للنظام قوة كان يفتقدها، وهي قوة ملتبسة في الشروط الراهنة. إذ إن سورية اليوم هي في قبضة قوى خارجية متعددة ومتناقضة المصالح ومتناقضة في الآن ذاته مع مصلحة الشعب السوري. يكفي للدلالة على ذلك مئات الآلاف من القتلى والجرحي والمعاقين وعشرات الآلاف الذين ماتوا تحت التعذيب وملايين المهجرين في شتى بقاع الأرض، وبالأخص في بلدان الجوار. وإذا كان تنظيم “داعش” يبدو وكأنه في نهايته، وهو أمر صحيح، فإن المشكلة الأساسية التي ستظهر بعد أن تسكت المدافع، هي سورية ما بعد الحرب. أية سورية ستكون في ضوء الصراع المقبل أو الاتفاق بشروط معينة بين القوى الخارجية التي لكلّ منها موقع في داخل سوريا. وبرغم كلّ ما جرى ويجري ففي رأيي بأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة انتقالية يحدد طبيعتها ما هو مشترك بين الوضع في سورية والوضع في العراق والوضع في لبنان بوجه عام. وإذ أقول مرحلة انتقالية فلكي أشير، ربما فيما يشبه الحلم، بأن ما بعد المرحلة الانتقالية وخلالها، سيكون لمن يعتبرون أنفسهم استمراراً للثورة السورية الأولى دور عليهم أن يستخلصوا فيه الكثير من الدروس من الأعوام المليئة بالكوارث. وهذا الدور لا يستطيع أن يحدده إلا أصحابه انطلاقاً من الوقائع وبنفس طويل.
\ ولكن المشهد على الساحة السورية يوضح بجلاء وجودا قويا للجماعات الإرهابية من “داعش” إلى النصرة وغيرها، إضافة إلى الحضور الأميركي والروسي والتركي والإيرانى؟
ظاهرة “داعش” لا يقتصر حضورها على الساحة السورية، بل نجدها في ليبيا واليمن والعراق، وظهرت في أغلب بلدان العالم. والسؤال الكبير الذي لا أجد جوابا عنه: كيف تحولت ظاهرة “داعش” إلى حركة بهذا الحجم البشري المتنوع وقوة التسليح الحديث والقدرة المالية الهائلة؟
حتما هناك من يرعى “داعش”، وفي تقديري أن الأنظمة الاستبداية مثل النظام السوري لعبت على هذه القضية. إذ أراد توصيل رسالة للعالم مفادها، أنا أو الإرهاب أقول ذلك، وأعلن بثقة أنه سيتم التغلب على “داعش” وستتحرر سورية والعراق وبلدان أخرى منها. لكن المشكلة هي أن لظاهرة “داعش” في بلداننا، قديماً وحديثاً، عناصر أساسية في صلب الأنظمة الاستبدادية وعناصر أخرى في تخلف المؤسسات الدينية عن القيام بإحداث التجديد الضروري في الإسلام، لمنع استخدام أمثال ظاهرة “داعش” لبعض نصوص إسلامية تاريخية قديمة.
\ هل تعتقد أن “داعش” تستند إلى نصوص دينية؟
– أشهد أنا الشيوعي ابن رجل الدين والدي الشيخ أحمد أن في القرآن كثرة كبيرة من الآيات التي تؤكد على القيم الإنسانية في الإسلام، قيم الحرية والتسامح والاعتراف بالآخر وقيم العقل والمعرفة كما يقول الحديث الشريف: اطلبوا العلم ولو في الصين. هذه الآيات هي التي على المؤسسات الدينية أن تعتبرها الأساس في الدين. وباسمها تقوم، ومعها المجتمعات العربية برمتها، باستئصال الحركات السلفية التكفيرية من أمثال ظاهرة “داعش”.
\ في رأيي هذا الكلام فيه تبسيط مخل، حيث لا أتصور أن نظاما مهما يكن حرصه على البقاء، أن يخرب بلاده بهذا الشكل، من أجل الاحتفاظ بالسلطة ولعلنا لاحظنا أن قوات الناتو كانت تضرب في الجيش الليبي دعما للتنظيمات الإرهابية، وفي اعتقادي أن المنطقة أصبحت على شفا حرب أهلية بفعل فاعل غربي – أميركي وأدوات محلية ـ ما تعليقك؟
إن النظام السوري لم يعد صاحب قرار، بل ينفذ قرارات دولية وإقليمية، ولكل هذه القرارات نماذجها وأسماؤها، من دون الدخول في التفاصيل.
إذن المستقبل في ضوء هذه الحالة الغريبة، عندما تسكت المدافع، وسوف تسكت غدا أو بعد غد، بعد التدمير البشري والاقتصادي، هذا المستقبل الآتي سيكون مرحلة انتقالية لزمن لا نستطيع تحديد مجيئه فيما يتعلق بسوريا. أما مصر فلها وضع مختلف. لكن ما فعله الإخوان في مصر سيترك بصماته علي المستقبل الآتي. ولن أدخل هنا في التفاصيل المتصلة بالواقع الراهن في مصر وفيما يتعلق بمستقبلها. أقول ذلك برغم أنني مقتنع بأن ما قامت من أجله الثورة في مصر سيتحقق عاجلاً أم آجلاً. لكن شرط تحققه هو أن تتشكل في شروط جديدة القوي التي ستكمّل ما قامت من أجله الثورة.
الناتو في ليبيا
\ وماذا عن الناتو في ليبيا؟
– يبقي أن أشير إلى ما طرحته في سؤالك حول ليبيا والناتو وأميركا والإرهاب لأقول إنني مختلف في هذا الجمع العجيب الغريب من المواقف. فلليبيا وضع خاص مثل سائر البلدان العربية. المهم أن القذافي ذهب. يبقي أن يتمكن الليبيون في ظل ما يجري من تدخل خارجي، بما في ذلك من قبل الأمم المتحدة، المهم أن يتمكن الليبيون أصحاب القضية من مواقع وأفكار ومرجعيات مختلفة من اتفاق فيما بينهم حول مستقبل ليبيا الذي يطمحون إليه. وبرغم أنني كنت وما زلت ضد الشكل الذي تتخذه أميركا وأوروبا في مواجهة الإرهاب، فإنني لا أبرئها من دور ما في جعل هذا الإرهاب باسم “”داعش”” يتخذ صفته العالمية. وأود أخيراً لا آخر أن أحمّل المسئولية لما جري ويجري في بلداننا من كوارث سنظل ندفع ثمنها غالياً لزمن، أحمّلها لأنظمة الاستبداد بصيغها المختلفة وللحركات التكفيرية وللمؤسسات الدينية الإسلامية التي لم تقم بدورها في تحرير الدين من استخدام هذه القوي التكفيرية له ضد قيمه الإنسانية في أعمالها الإرهابية المتوحشة.
\ كيف نخرج من هذا المأزق، الذي أسهمت في دخولنا إليه «الثورات» التي برأتها مما جرى، لكن الواقع يقول إنها أسهمت في خلق حالة الفوضي والدمار الذي نعيشه؟
أنت تحمل الثورات ما جرى من تدمير وخراب وفوضى وأنا لا أتفق مع رؤيتك . وقد حددت المسؤولية عما جري ويجري في جوابي عن سؤال سابق.
\ كيف الخروج من المأزق الوجودي؟
أختلف معك بشكل كامل عندما تحمل الثورات العربية المسؤولية عما جرى.
فالذين قاموا بالثورات هم أناس تعبوا من القهر ومن الجوع ومن الذل وأرادوا التغيير. ولكن المشكلة أنهم عبّروا عن حالة عفوية طبيعية من دون أن يتمكنوا من توفير الشروط لإحداث التغيير. كيف تحملهم المسئولية بينما الأنظمة الاستبدادية هي من واجهت الثورات بوحشية .
\ أنا أحمل المسؤولية للمخطط الخارجي الذي جرى واستغل حاجة الناس، ويمكنك الرجوع إلى «وليام أنجدال» ومذكرات «هنري ليفي»، فمنذ غزو العراق حتى الآن ربيع معولب خارجيا – ما تعليقك؟
عندي رأي أعلنته مرارا وأكدته في كتاباتى، أن بلداننا العربية لم تتحرر منذ استقلالها حتى الآن من الدور الخارجي، كأنظمة وقوى سياسية. لكن لكل مرحلة وضعها الخاص، وظروفها الخاصة .
إذا لم نأخذ ذلك بعين الاعتبار نكون مخطئين. لكن في الوقت نفسه، علينا أن نحمّل المسؤولية لمن استبدوا في بلداننا منذ الاستقلال حتي الآن.
هذه الأنظمة هي المسؤولة عن التدخل الخارجى، وهي المسؤولة عن ولادة «الداعشية» وأمثالها، وهي المسؤولة عن استمرار الحالة الراهنة.
انطلاقا من هذا التقييم الموضوعي علينا أن نفكر كيف نتابع المعركة، آخذين بعين الاعتبار الوضع الذي نحن فيه. لكن علينا أن نكون واقعيين. والواقعية تجعلنا نرى كيف ستنتهي هذه الحروب.
وكما أرى بالعين المجردة فإنها ستنتهي بتدخلات. أي أن التدخل الخارجي هو الأساس في حل هذه الحروب، بصيغه المختلفة وتناقضاته، من أميركا وأوروبا إلى روسيا ومن تركيا ودول الخليج إلى إيران .
\ وماذا عن لبنان؟
– في لبنان انتهت الحرب الأهلية، ولكننا ندفع ثمن الحرب الأهلية في سورية، وندفع ثمن التدخلات في سورية ولبنان، حيث تتحكم في لبنان مجموعة من أمراء الطوائف وزعوا البلد إلى حصص فيما بينهم.
لقد قلت للشباب، ما العمل لكي نخرج لبنان مما هو فيه منذ زمن طويل، وبشكل خاص في الزمن الذي أصبح فيه لبنان مرهوناً إلى ما ستنتهي إلىه الحرب في سورية؟. اقترحت علي الشباب أن يسهموا في تأسيس تيار ديمقراطي مدني عابر للطوائف كمدخل لإحداث التغيير. لكن المهمة صعبة وتحتاج إلى زمن ضروري. ونحن محكومون بالأمل وبالعمل لتحقيق هذه المهمة. أري أن هذه التجربة في لبنان التي أشرت إلىها يمكن أن تتكرر في أي من بلداننا العربية، مع مراعاة ظروف ومعطيات واقع كل بلد.
\ ما تقييمكم لتجربة “حزب الله” في لبنان؟
“حزب الله”لعب دورا كبيرا في المقاومة. وكنا خصوماً في البداية. فنحن كيساريين من أطلق المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي . وكان لنا دور أساسي في إخراج الاحتلال من العاصمة ومن مناطق عدة وصولاً إلى الشريط الحدودي. لكن “حزب الله”جاء بقرار إيراني – سوري لمنع المقاومة ذات الطابع اليساري واحتكر المقاومة حتى تحرير الأرض المتبقية من الاحتلال. وكانت لمقاوميه بطولات علينا أن نعترف بها موضوعياً حتى، ونحن نرى أن الحزب أخطأ بعد التحرير بالاستمرار في البقاء على سلاحه، بدلاً من أن يفعل كما فعلته جميع المقاومات في العالم. إذ سلّمت سلاحها للدولة انطلاقاً من أن مرحلة ما بعد التحرير مختلفة عن مرحلة ما قبل التحرير. فبعد التحرير الدولة هي المسؤولة وحدها عن كل ما يتصل بالدفاع عن الحدود وبكل ما يتصل بوظائفها كدولة تعني بشؤون البلاد في جميع المرافق وتهتم بحياة المواطنين. وقد كان لهذا الخطأ الذي ارتكبه الحزب في البقاء على سلاحه، مفاعيله التي جعلت الوضع في البلاد في حالة عدم استقرار وانقسامات وصراعات وخراب لكل مرافق الحياة. وبالطبع فمن الخطأ تحميل المسؤولية عن ذلك ل”حزب الله”وحده. فجميع القوى في السلطة وخارجها تتحمل المسؤولية عن الوضع الصعب الذي يعيش فيه لبنان اليوم وربما لزمن لا أستطيع تحديده.
\ تقييمك لحرب يوليو 2006 مع إسرائيل؟
– كتبت أثناء حرب «يوليو» خمس مقالات في جريدة «لومانتيه» الفرنسية، وجهت خلالها نقدا صريحا لقيادات “حزب الله”، لأنها استدرجت إسرائيل إلى حرب دمرت لبنان.
وخلال لقاء مع أحد قيادات “حزب الله” وكان وزيرا وصديقاً، قلت له إن ما قاله السيد حسن نصر الله خلال الحرب «لو كنت أعلم ..» يعني أنه يعترف بالخطأ الذي أشرت إليه. وأضفت قائلاً: كيف تقتلون جنوداً وضباطاً إسرائيليين داخل الأراضي الإسرائيلية وتتوقعون أن إسرائيل لن ترد. وكان من نتائج ذلك الخطأ تدمير لبنان. وقلت له إنني وأنا أوجه هذا النقد لموقف “حزب الله”في الحرب، فإنني أقدر تقديراً عالياً البطولات التي اجترحها مقاومو حزب الله، وأعتز بتلك البطولات.
شتاء اسلامي
\ البعض يرى أن ما سمي بـ “الربيع العربي” كان شتاء إسلاميا، ويؤكد ذلك أنه أسهم في الحضور السياسي القوي للإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا وسورية؟
– ما جرى في تونس ومصر وليبيا أن حركة “الإخوان” كانت القوى السياسية الأكثر تنظيما، أما في سورية فالإخوان كانوا جزءا ضعيفاً من المعارضة، وهم ليسوا مع حركة “النصرة” أو “”داعش””. وفي اليمن الحوثيون هم فئة من الزيديين كفرقة إسلامية تحولوا خلال الحرب في اليمن إلى حلفاء لإيران وتحالفوا مع خصمهم التاريخي علي عبد الله صالح. ولا حل لهذا الوضع إلا بتسوية سياسية بدور أساس للأمم المتحدة.
\ حزب الإصلاح اليمني فرع للإخوان؟
الوضع في اليمن مختلف. وليس لدي جواب عن سؤالك لعدم معرفتي بحركة الإصلاح.
\ أكرر .. لماذا الإسلام السياسي؟
التنظيمات التي كانت لديها قواعد منظمة وتملك أموالا هي جماعات الإسلام السياسي. لذلك استولت على الثورات وجرى ما جرى .
\ بماذا تفسر موقف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الداعم للإسلام السياسي؟
هذ سؤال كبير . عندما صعد أوباما إلى السلطة أوحى لنا بأنه سيحدث تغييرا كبيرا في السياسة الأميركية تجاه المنطقة. وإذا به يتحول إلى داعم للإخوان المسلمين. وهذا أمر مثير للعجب. أرى أن أوباما اعتبر أن الإخوان المسلمين قوة أساسية يمكن أن تشكل نوعاً من الاستقرار للمنطقة، ولهذا راهن عليهم . وهو خطأ فادح لا تزال مصر تدفع ثمنه.
بالتأكيد هناك دور لأميركا لم تتخل عنه في منطقتنا العربية، حيث الثروات الطبيعية . وهذا ما تؤكده مجريات الأحداث سواء ما فعل أوباما أم ما يفعله ترامب الآن تجاه المنطقة .
وهنا وفي ضوء ظاهرة “داعش” والموقف الملتبس لأميركا بالذات في المنطقة، يطرح سؤال من أين جاء “داعش” ومثيلاته ومن موّله وسلّحه ونشره في العالم؟ نحن أمام ضرورة استثنائية لاعادة تحديد ما هو الإسلام، واستخراج القيم الأساسية من القرآن التي تعبر عن مفاهيم الإسلام الحقيقية . وبالطبع لست من يقوم بهذه المهمة، بل يقوم بها من نعتبرهم الإسلاميين المستنيرين، وهم موجودون في عالمنا العربي والإسلامي.
إن المؤسسات الدينية العريقة مثل الازهر وغيره تظهر منها من وقت لآخر مواقف تشير إلى أنه آن الأوان لتجديد الخطاب الدينى، وهذا أمر جيد. لكن في تقديري أن هذه المؤسسات وحدها لن تقوم بتجديد الخطاب الديني، وإن قوي المجتمع بتياراتها المختلفة، لا سيما المدنية منها، هي التي عليها أن تقف إلى جانب القوي الدينية المستنيرة، من أجل جعل عملية التجديد في الدين عملية حقيقية وليس مجرد شعارات.
\ وما الحل؟
لم يعد هناك حل سوي أن نطبق ما جاء في النصوص القرآنية من قيم التسامح وحق الاختيار مثل لا إكراه في الدين ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنما أنت مذكر. وهناك الكثير من هذه القيم في القرآن، يجب اعتمادها كأساس في الإسلام. وأذكّر هنا بحديث شريف للنبي محمد قرأته في كتاب للعلامة اللبناني الشيخ عبد الله العلايلي «أين الخطأ». يقول الحديث «يرسل الله للمسلمين كل مائة عام من يجدد لهم دينهم».
\ لماذا تحول بعض من عناصر اليسار خصوصا المتطرف منهم إلى اعتناق فكر الليبرالية المتوحشة؟ ولماذا انحاز بعضهم للإسلام السياسي في ثوراتهم؟
ليست لدي إجابة حول أسباب انحيازهم للإسلام السياسي . أما سبب تحولهم إلى الليبرالية، فمرجعه إلى أنهم خرجوا من التجربة الشيوعية بعد انهيارها بقناعة مفادها أن كل ما جاء في التجربة لم يكن واقعياً، فضلاً عن أن التجربة كانت حافلة بعناصر الخلل النقيضة لقيم الاشتراكية. وهي العناصر التي قادت التجربة إلى الفشل، وخلقت حالة من اليأس والإحباط عند الذين كانوا جزءا من التجربة أو علي هامشها في بلداننا وفي سائر بلدان العالم.
أنا استشهدت في أحد كتبي بنصين مهمين أحدهما للينين والآخر لبليخانوف. بليخانوف كتب في وصيته التي أصدرها في عام 1918 عام وفاته متوجهاً إلى ماركس قائلاً ما معناه إن الطبقة العاملة التي جعلها ماركس في مشروعه لتغيير العالم حاملة تحقيق هذا المشروع، لم تعد اليوم كما كانت عليه في زمن ماركس. إذ أصبح للأنتلجنسيا في التاريخ الذي يتحدث فيه بليخانوف دور أساسي من دون أن يلغي دور الطبقة العاملة في التغيير. بل هو يجعلها شريكة لقوى أخرى ولّدتها العلوم والتقنيات الحديثة.
وعندما انتصرت الثورة البلشفية وانتهت الحرب الأهلية وأصبحت السلطة للعمال والفلاحين قال لينين في حديث لقادة التثقيف في الحزب الشيوعي ما مفاده. إننا فقراء وروسيا مدمرة، كيف نعيد إعمارها، بما لا نملك من إمكانات، ويجيب لينين عن هذا السؤال بالقول إنه لا غنى عن استدعاء الرأسمال الروسي الهارب، واستدعاء الرأسمال الأميركي والعالمي، وسوف يأتي هذا الرأسمال بشروطه وليس بشروطنا. وهذا أمر مجحف. وعلينا أن نقبله. أما أن نقبله لنعمر بلادنا المدمرة أو نظل فقراء. وعندئذ سنكون في حالة صراع بين سلطة العمال والفلاحين وبين الرأسمال. وعلينا أن نحافظ علي التوازن بين هاتين القوتين. فإذا فشلنا وانتصر علينا الرأسمال في هذا الصراع وفي هذه الظروف التاريخية بالذات فإن علينا أن نستقبل فشلنا بدم بارد”.
لقد استنتجت من هذه المقولات أن الموقف المطلق ضد الرأسمالية خطأ، لأنه دون رأسمالية لا يمكن البناء، وأن المعركة مع الرأسماليين ليست حقدا طبقيا، بل معركة لكي نفرض علي الرأسمالي أن يسهم في عملية بناء بلداننا تحت قيادة الدولة المدنية الحديثة وبمشاركة المجتمع بمؤسساته السياسية والاجتماعية والثقافية.
\ كيف تقيم تجربة عبد الناصر؟
أرى أن عبد الناصر كان أسير أحلامه، التي وضعها في كتاب فلسفة الثورة. ولكي يحقق تلك الأحلام ارتكب عددا من المغامرات بدءا من الوحدة مع سورية مرورا بحرب اليمن وانتهاء بنكسة يونية 1967 .
\ هل ترى أن الوحدة مع سورية مغامرة؟
– إنها مغامرة بالتأكيد مرتين. مرة لأنها جرت بسرعة ومن دون مراعاة للشروط المختلفة بين البلدين، ومرة لأنها اقترنت بحلّ الأحزاب وباعتقالات للمعترضين على صيغة الوحدة من دون الاعتراض على مبدئها. وسادت في تلك المرحلة حملة اعتقالات في سورية كان القسط الأكبر منها للشيوعيين الذين مات بعضهم تحت التعذيب وفي مقدمتهم القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو الذي جرى تذويب جسده في الأسيد. وجرت اعتقالات في مصر للشيوعيين ومات تحت التعذيب عدد منهم كان في مقدمتهم القائد الشيوعي شهدي عطية الشافعي. ثم انتهت تلك الوحدة “المغامرة” بالفشل بعد ثلاث سنوات تأسس بعدها نظام استبدادي في البلدين وما تلا ذلك من أحداث.
لكن هذه الملاحظات التي أقدمها جواباً عن سؤالك حول الرئيس عبد الناصر فإنني لا أستطيع إلا أن أشير إلى الخصائص التي تميّز بها ذلك القائد التاريخي لمصر رغم كل الأخطاء التي ارتبطت بعهده.
الفكر الاشتراكي
\ ما ظروف انضمامك للحزب الشيوعي؟
– بدأت منذ شبابي الباكر في سن الخامسة عشرة بكثرة من الأسئلة حول واقع بلداننا، وصادف ذلك نهاية الحرب العالمية الثانية. صنفت نفسي قومياً عربياً ديمقراطياً معادياً للعنصرية محترماً لبطولات الجيش السوفيتي في الحرب العالمية. وفي عام 1947 أرسلني والدي إلى العراق لمتابعة دراستي الثانوية في مدارسها برعاية ابن عمه المفكر التراثي حسين مروة. وكانت قد حدثت وقائع سياسية في لبنان وفي أكثر من بلد عربي أثارت استنكاري. وكان أبرزها في لبنان تزوير الانتخابات ومخالفة دستور الجمهورية. ثمّ تبع ذلك قرار تقسيم فلسطين. وكان لفلسطين في حياتي وفي وجداني موقع كبير. فكتبت مقالاً في جريدة “الرأي العام” لصاحبها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في شهر ديسمبر بعنوان “لا بد من ثورة”. ثم حصلت انتفاضة شعبية في العراق شاركت فيها. لكنها انتكست بسبب الخلافات بين القوى السياسية الشيوعيين والقوميين العرب. وتلت ذلك الحرب العربية في فلسطين لمنع قرار التقسيم والهزيمة النكراء التي منيت بها الجيوش العربية وتضييع فلسطين. جميع هذه الأحداث قادتني إلى التحول بصفتي قومياً عربياً إلى الفكر الاشتراكي. وكان أول نص قرأته هو “البيان الشيوعي”.
\ «من كل حسب قدرته .. ولكل حسب حاجته» شعار يرى البعض أنه كان أحد أسباب انهيار التجارب الاشتراكية.. ما تعليقك؟
كارل ماركس في كتابه “نقد برنامج غوتا”، الذي وجهه للحزب الاشتراكي الألماني قال إن «دزينة برامج رائعة في نصها لا قيمة لها على الإطلاق مقابل برنامج يضع مهمات قابلة للتحقيق». ويقول ماركس في الكتاب نفسه: إنه عندما نتحدث عن المساواة، إذا أطلقنا المساواة، نكون مخطئين، لأن المساواة في جوهرها تعني المساواة في الفرص. لا يمكن أن نعتبر أن جميع الناس متساوون. علي العكس من ذلك، ليس من الممكن أن يكون الكفء وغير الكفء متساوين.
أما ما بعد التاريخ الذي تحدث عنه إنجلز عن الشيوعية القادمة «من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته»، هذا كلام إذا أخذناه بحرفيته يمكن اعتباره كلاماً شعبوياً. لكن عندما تحدث إنجلز عن هذه المسألة، تحدث عن الحلم الطوباوي الذي كان دائما يحكم حركة التاريخ، ولكن دون أن نكون أسري اليوتوبيا .
نفكر، نحلم بأن نصل إلى ذلك، مع احترامنا الحقيقي للوقائع التي نحن فيها، هكذا إذا أردنا أن يحدث التغيير. وإذا كنا نريد تحويل أحلامنا إلى حقائق نكون نعمل ضد أفكارنا، أي نكون شعبويين. ونكون بذلك متناقضين مع فكر ماركس.
\ وماذا عمن يرى أن جزءا من أزمة اليسار العربي تعود إلى علاقته الملتبسة بكل من الدين والعروبة؟
– لا أعتبر أن اليسار، اليسار الشيوعي تحديداً، كان منذ ثورة أكتوبر 1917 وحتى قبل قيامها في موقع العداء للدين. إذ اعتبر لينين أن المشروع الاشتراكي هو مشروع سياسي، وأن المنتمين إليه إنما ينتمون إلى برنامجه السياسي بمعزل عن العقائد التي ينتمون إليها. ورحّب في أحد مقالاته بالكاهن للانتماء إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي إذا كان موافقاً علي برنامجه السياسي. وهذا الموقف الأساسي للشيوعية ظلّ من حيث المبدأ هو رغم، برغم أن ستالين خرقه عندما هدم كنيسة علي شاطئ نهر موسكو وبني منتجعاً سياحياً بديلاً منها. لكن الشيوعيين في بلداننا كانوا من حيث المبدأ أمناء لموقف لينين وليس لموقف ستالين. ولم يدمجوا في موقفهم من المؤمنين بين الموقف الفلسفي عند ماركس الذي جاء في أحد نصوصه في وصفه للدين بأنه “أفيون الشعب”، وبين المحتوى السياسي لبرنامج الحزب الشيوعي في كل بلد وفق شروطه.
\ وماذا عن مقولة «الدين أفيون الشعوب»؟
– فهمي يختلف عن المتداول لنص ماركس حول “الدين أفيون الشعب”. إذ هو يعتبر أن من حق المؤمنين أن يلجأوا إلى ما يريحهم، بما في ذلك اللجوء إلى الغيبيات و إلى الدين تحديداً ما داموا لم يجدوا حلولاً لمشكلاتهم، ومنها على وجه الخصوص حقهم في الحياة الكريمة والعيش الكريم. وهي المهمة الأساسية للحركة الشيوعية. ومعروف أن ماركس وإنجلز في أحد نصوصهما اعترضا علي التهجم علي الدين من قبل الهيجليين الشباب، معتبرين أن الدين هو الوعي الأول للبشر منذ فجر التاريخ.
\ لكن الناس اعتبروا هذه المقولة مقدسة؟
– أذكر في هذا السياق أن إحدى منظمات حزبنا الشيوعي في الخمسينات في أحد الأرياف كانت تتفق مع راعي الكنيسة في الدعوة إلى عقد اجتماع الخلية عبر دقات معدودة من جرس الكنيسة. وكانت للحزب الشيوعي العراقي في النجف علاقة مع عدد من رجال الدين. وكان الأمر كذلك بالنسبة للحزب الشيوعي السوداني.
وأود هنا أن أتوقف عند حدثين في تاريخ حزبنا اللبناني. الحدث الأول يتمثل فيما اعتبرناه نحن الجيل الثاني في قيادة حزبنا ثورة التجديد في فكر وسياسات وأشكال نضال الحزب باسم الاشتراكية في صيغتها المعاصرة. وهي الثورة التي قامت في العام 1966 وانتهت بعقد مؤتمر الحزب في العام 1968 الذي صدرت عنه مجموعة من الوثائق تكرّس مفهومنا الجديد المختلف للاشتراكية. الحدث الثاني يتمثل في المحاضرة التي دعيت لإلقائها في العام 1993 في مركز الإمام الخميني الثقافي في بيروت لمناقشة رسالة الخميني إلى غورباتشوف التي دعاه فيها إلى التخلي عن الشيوعية والدخول في الإسلام. سألت يومها رجل الدين المشرف على المؤسسة كيف يريدني أن أناقش تلك الرسالة وأنا في الموقع المختلف. فقال لي من دون تردد نريد منك من موقعك أن تعطي رأيك بهذه الرسالة بكامل حريتك. فألقيت المحاضرة وطرحت فيها موقف حزبنا من الدين وموقف الشيوعية بشكل عام من الدين، وانتقدت في المحاضرة بعض مواقف آنية، لأحزابنا الشيوعية من الدين نقيضاً للموقف الأصلي لماركس وإنجلز ولينين وللشيوعية من الدين. وأعلنت للحاضرين بأن دعوة الخميني لغورباتشوف للتخلي عن الشيوعية بكل ما ارتبط بها من قيم والدخول في الإسلام، وتحديداً لمفهوم الخميني للإسلام وهو مفهوم خاص به، ويختلف في كثير من النصوص والمفاهيم عن القيم الأساسية في الإسلام، أعلنت أن تلك الدعوة في غير مكانها. ولم أشأ أن أدخل في نقاش حول رأيي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا في رأيي في ولاية الفقيه أنني أعتبرها بدعة إيرانية.
\ هذه علاقة اليسار بالدين, ماذا عن العروبة؟
– فيما يتعلق بموقف الشيوعيين من العروبة ففيه التباس لا بد من توضيحه. ذلك أن الأحزاب الشيوعية العربية في المشرق تحديداً كانت مع قرار تقسيم فلسطين الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة، بخلاف موقفها السابق ضد التقسيم، وذلك بناء على طلب رسمي مع الإصرار من قبل الاتحاد السوفيتي الذي وافق على قرار التقسيم. الأمر الذي أعطى الانطباع بأن للشيوعيين العرب موقفاً ملتبساً من المفهوم العام للعروبة وللقومية العربية. وإذا كان الشيوعيون قد اتخذوا ذلك الموقف المشار إليه، فإنه لا يلغي ما ارتبط بتاريخ الأحزاب الشيوعية العربية من نضالات حول كل القضايا العربية، وفي مقدمتها قضية فلسطين. وأذكّر في هذا السياق من لا يعرف التاريخ بأن الحزبين الشيوعيين السوري اللبناني والفلسطيني في العام 1932 أصدرا بياناً أكدا فيه انتمائهما للعروبة وطنهم الجامع ودعيا إلى وحدة عربية فيدرالية ديمقراطية.