كفّيت ووفّيت يا صباح الحكمة

مشرق صباح الكويت بالحكمة دائما منذ 12 سنة، ففي التاسع والعشرين من يناير حين تولى صاحب السمو الشيخ صباح الاحمد زمام الحكم، بدأ عهدا جديدا من العمل الدؤوب على نقل البلاد الى مرحلة البناء والتحديث في خضم أعاصير ما تزال تضرب الاقليم من كل الجهات… يومها كانت البلاد خارجة للتو من 15عاما كلها ترقب واستنفار نتيجة التهديدات التي كان يشكلها، حتى العام 2003، النظام العراقي السابق، على الكويت خط الدفاع الاول عن “مجلس التعاون” الخليجي، ورغم ذلك بدأ عهده بتعزيز العمل على استكمال إعادة إعمار ما تسببت به غزوة نظام صدام حسين من دمار, ولم يتوان عن الدعوة لإعادة إعمار العراق الذي هو اليوم على موعد عالمي تحتضنه الكويت لان دورها دائما بناء السلام وليس العيش في قوقعة الاحقاد.
كلما حلت هذه الذكرى العظيمة نحزن على مرور الايام بسرعة فيما نحن لا نزال نتلمس قبسات حكمة هذا الرجل الكبير المجبول بحب الكويت واهلها.
الرجل الذي تجده في كل المناسبات مشاركا “عياله” الكويتيين أفراحهم وأتراحهم…لم يأبه يوما للخطر حتى حين اندفع وحيدا الى حيث امتدت يد الارهاب في يوم رمضاني قائض الى المصلين في مسجد الصادق كي يطمئن على من قال عنهم “هذولا عيالي” وكيف ترقرقت تلك الدموع من عينيه مظهرة للعالم أجمع حقيقة العلاقة بين صباح الحاكم وشعبه… علاقة المحبة والثقة العميقة المتوجة بالتأييد الشعبي للقرارات المصيرية المنقذة للكويت من مطامع خارجية انساقت خلفها شرذمة من ضعاف النفوس داخليا، معززا بذلك الديمقراطية التي ينظر اليها على انها قدر بلاده ومصدر قوتها، ومنها مرسوم الصوت الواحد الذي صحح التمثيل الشعبي في مجلس الامة، واعاد لكل ذي حق حقه.
12 سنة مرت من هذا العهد شهدت فيها الكويت احداثا سلبية ومحفزات ايجابية، ولقد تعاطى سموه ومازال مع كل حدث بسرعة بديهة، حتى حين حاول البعض تقويض المؤسسات الوطنية من خلال الحراك العبثي واقتحام مجلس الامة، لم يتردد لحظة في التنبيه الى مخاطر ذلك، اكان بنعت ما حصل بـ”الاربعاء الاسود” او عبر الدعوة الى كلمة سواء وطنية تسد النوافذ امام رياح السموم.
دائما يفاجىء صباح الاحمد شعبه بقرارات جريئة مبنية على بعد النظر في ما يتعلق بالمستقبل، فهو حين قال في احد لقاءاته مع نخبة من وجهاء البلاد ان”الكويت كادت تضيع” كان ينبه شعبه الى ما يحاك ضد البلاد، ولم يقدم على اي خطوة ممكن ان تنتقص من الديمقراطية الحامي لها بقوة القانون، مرسخا بالاذهان الصورة الحقيقية عن الفصل بين السلطات، ومعطيا لكل واحدة منها حقها بممارسة دورها دون ادنى تدخل، او توجيه، حتى الذين اساؤوا لبلدهم، ورغم فداحة الجريمة، حصلوا على كامل حقوقهم القضائية، لأن هدفه الاسمى ألا تمس نزاهة القضاء القلعة التي يتحصن بها كل الكويتيين.
لم يتسرع صباح الاحمد يوما في الحكم على الاحداث، بل انه تعامل معها برؤية ثاقبة كي لا يظلم احدا، فإن جاءه احدهم وقد فقئت عينه لا يصدر قراره الا بعد ان يرى الطرف الاخر الذي ربما تكون عيناه قد فقئتا.
صباح الاحمد الحريص على وحدة المصير الخليجي لم ير يوما قوة الكويت الا من خلال قوة”مجلس التعاون”، ولذلك كان ومازال الوسيط المحايد الذي يتكبد مشقة السفر والاجتماعات لتقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين اهل البيت الواحد، ولم ينتظر دعوة من احد للوساطة ايمانا منه ان “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” والمؤمنون الحق يعملون وفق الآية الكريمة”قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ”، ملبيا بذلك طموحات الخليجيين كافة في التلاحم بحزمة عزم على التغلب على العقبات كافة لان من يضطلع بدور الاطفائي وسيط حكيم، وقائد انساني بشهادة العالم اجمع، بل هو المتفرد حتى اليوم بهذا اللقب، فهو صانع سلام منذ بداياته في العمل العام، خصوصا في المجال الديبلوماسي, جاعلا الكويت منارة تسامح في ليل التطرف الذي يعم العالم العربي.
في هذا اليوم الذي تتجدد فيه البيعة تقول الكويت لسموكم: كفّيت ووفّيت ياصباح الحكمة والإنسانية، وانعم الله عليكم بموفور الصحة والرعاية.

أحمد الجارالله