“كورونا” والتغيُّر المناخي

0 92

د. لويس حبيقة

مع الأيام، اكتشفنا أكثر فأكثر تأثيرات “كورونا” على جميع أنحاء الحياة، من الانتاج الى الاستهلاك الى كل القطاعات الانتاجية الى الحرائق في غابات استراليا والأمازون وكاليفورنيا كما الفياضانات والأمطار وغيرها من الكوارث الطبيعية، لا يقل أهمية عما سبق، تأثير الوباء على التغير المناخي ايجابا من ناحية، وسلبا من نواح أخرى. ففي الجانب الايجابي، جمود الحركة الاقتصادية يخفف من انبعاث ثاني أكسيد الكربون وغيره من السموم وتسببها جميعها في تلوث الهواء والمياه.
أما في الجانب السلبي، ولمحاولة اكتشاف دواء وطعوم لضرب “كورونا” تجرى التجارب الكيمائية والصيدلية التي لا تقصر في التلوث وفي ضرب البيئة وتراكم النفايات الخطرة، إذ لا تحتوي معظم الدول على ماكينات وأدوية مناسبة لمعالجتها، كما أن “كورونا” هي سلعة عامة دولية، كذلك الأمر بالنسبة للتغير المناخي، اذ لا يمكن حصرهما ضمن حدود جغرافية معينة بل يسهل انتقالهما عبر الحدود الى أماكن واسعة أخرى، ومن السلع العامة الدولية السلبية نذكر أيضا مثلا الأزمة المالية العالمية وانتشار الأسلحة النووية، أي جميع الأمور المماثلة المؤثرة دوليا التي لا يمكن حصرها ضمن دول. العوامل العملية المشتركة للفيروس والمناخ هي العلوم والتكنولوجيا، لذا لا يمكن فهمهما ومعالجتهما من دون التقدم النظري فيهما. إن انتشار “كورونا” كما تلوث المناخ يشيران الى عدم قدرة القطاع الخاص على تنفيذ الحلول، علما أنه من أهم المسببات لهما عبر الانتاج والاهمال وسوء الفرز وعدم المعالجة.
لا شك أن النمو الاقتصادي العظيم الذي عرفه العالم منذ عقود وبخاصة منذ الحرب العالمية الثانية سبب بطرق غير مباشرة الأمراض التي نعرفها اليوم من فيروس وتغير مناخي يبعث على الأمراض والتلوث، كما ان التقدم التكنولوجي عبر العصور نقل الانسان من العصر الحجري الى ما نعرفه اليوم، فيما التغير المناخي يحاول أخذنا بالاتجاه المعاكس أي نحو العصر الحجري.
أين تقع نقطة الوسط أو الالتقاء؟ ذلك تبعا للقوى المشاركة في الاتجاهين والعاملتين بنشاط قوي وكبير، كما أن الانسان نجح في استخدام التطور التكنولوجي للتقدم، فشل أيضا في معالجة أسباب التغير المناخي الذي يدمر نوعية الحياة
لأن “كورونا” كما التغير المناخي هما مشكلتان دوليتان، لا يمكن للمعالجة الا أن تكون دولية، فالمشاركة في وضع الحلول والأدوات والتمويل والموارد البشرية والمادية ضرورية للنجاح في التأثير عليهما.
المطلوب التعاون بين الدول ومع المؤسسات الدولية المعنية لتوحيد الجهود للانتصار على هذه المشكلات، وهناك صعوبات أخرى، ومواضيع معقدة لا تنحصر في اختصاصات محددة بل تشمل قطاعات واسعة في الوقت نفسه، كالكيمياء والفيزياء وعلم الحياة والاقتصاد والقانون والرياضيات وبالتالي تتطلب الحلول مشاركة أعداد كبيرة من الاختصاصيين لايجاد الدواء الفاعل للأوبئة.
لا شك أن “كورونا” كما التغير المناخي يشكلان مصدرين سلبيين كبيرين للانسان وللعالم الطبيعي بجميع موارده المائية والهوائية والأرضية، يحصل التلوث المناخي منذ عقود ويتأثر الانسان سلبا به عبر صحته ونوعية حياته، لكن ما العمل اليوم؟ يقول “ويليام نوردهاوس” الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد العام 2018 أن هنالك 3 حلول ممكنة: أولا تخفيف انبعاث ثاني أكسيد الكربون في الهواء، لكن الامكانات العملية المتوافرة غير فاعلة بالاضافة الى التكلفة الباهظة التي تفرضها.
هنالك حل ثان في رأيه وهو سحب كثافة التلوث من الطبيعة عبر آليات متخصصة لهذه الغاية، لكنها غير متوافرة اليوم خاصة في الأسواق، ويبقى الحل الثالث وهو حسن ادارة التلوث بين الزيادات والمعالجات كي لا تصبح الأوضاع لا تحتمل أو بالأحرى أسواء بكثير مما هي عليه اليوم. في كل الحالات، أفكار الحلول لا تدعو للانشراح بل مكلفة ومقلقة وغير فاعلة، لكن ما الأهداف العالمية لمعالجة التغير المناخي؟ يهدف العالم الى تخفيف ازدياد الحرارة التي تسيء الى كل شيء كمستويات المياه ونوعية مياه الشرب والهواء وصحة الانسان وغيرها.
من الضروري أن تشارك كل الدول سوية في وضع الحلول وتنفيذها أي المشاركة في التكلفة أيضا والا لن تكون الحلول مجدية، ومن غير المقبول أن تستفيد دولة أو أكثر على حساب الدول الأخرى، لذا لا بد أن تكون المعالجة مشتركة أو لا تكون مجدية وفاعلة.
عالميا، هنالك ثلاثة اجتماعات كبرى عقدت لكنها لم تعط بعد النتائج المنتظرة، أولا مؤتمر الأمم المتحدة في 1992 في مدينة الريو الذي هدف الى عدم تفاقم التغير المناخي، بل اتفق على استقرار الأوضاع بانتظار تحديد الحلول المشتركة المناسبة
ثانيا كان هنالك “بروتوكول كيوتو” في 1997 الذي حدد مستوى الانبعاثات أي 5% أقل من مستويات 1990 على أن تتحقق الأهداف بين عامي 2008 و2012 وكانت هنالك محاولات جدية الا أنها لم تنجح بسبب عدم مشاركة الكثير من الدول الملوثة كالولايات المتحدة.
أتى أخيرا مؤتمر باريس في 2015 الذي وضع سياسات وأهداف غير ملزمة ولم يفرض التنسيق، أي عمليا توصيات غير قابلة للتنفيذ في ظروف دولية متوترة وصعبة، انسحب الرئيس ترامب من اتفاقية باريس غير الملزمة لأنه رأى فيها ظلما كبيرا للولايات المتحدة التي هي دون شك الدولة الملوثة الأولى في العالم، فيما يقع العالم اليوم في الموقع الذي كان فيه في 1994 علما أن المخاطر أكبر والتحديات أصعب وأعمق.
ما الواقع على الأرض اليوم وبخاصة بعد تنفيذ نظريات الرئيس ترامب المهمشة للمشكلة البيئية التي تهدف عمليا الى انسحاب الولايات المتحدة من المساهمات الدولية الايجابية في منظمة الصحة العالمية مثلا وغيرها، لا ننسى أن “أل غور” نائب الرئيس الأميركي الأسبق عمل جاهدا على توقيع اتفاقية باريس لأنه رأى فيها الحد الأدنى المطلوب للانقاذ البيئي.
وتعمل الولايات المتحدة اليوم ضمن قوانينها على ألا ترفع تلوثها.
في 2010، كانت كثافة ثاني أكسيد الكربون في أميركا 0.386 وتدنت في 2015 الى 0.328. تحسن واضح لكنه غير كاف وربما تنقذه جزئيا “كورونا” المخففة للغنى والتلوث في الوقت نفسه، معظم النشاط المكافح للتلوث عالميا أتى من الصين وذلك منذ 1980 وحتى اليوم. النشاط الصيني الأكبر تم في فترتي 1990- 2000 و2010- 2017.
لا شك أن الصين تلوث المناخ لأن التكنولوجيا المستعملة ما زالت أقل تقدما من التكنولوجيا الغربية، لكن في الوقت نفسه الجهود الصينية لمكافحة التلوث كبيرة وواضحة في السنوات الأخيرة، وعلى كل حال، التعاون الدولي لمكافحة التلوث مهم جدا حتى لو لم ينجح كما نتمنى، اذ لا بديل عنه، والنشاط الفردي في مهمات كالتلوث و”كورونا” لا يمكن أن يكفي.
هنالك حقائق يتفق عليها الجميع، وهي ضرورة مساهمة الحكومات في الحلول، فالقطاع الخاص لا يمكنه أن يكافح التلوث من دون القطاع العام، إذ تنقصه الموارد المادية والبشرية كما يحتاج الى السياسات العامة والاجراءات والقوانين التي ترعى عمل الشركات، وكلما تأخرنا في تنفيذ الحلول صعبت وارتفعت التكلفة الباهظة أصلا. ما المطلوب؟ هنالك 4 خطوات:
أولا: أن يفهم العالم والمواطن العادي أهمية التغير المناخين فهذا ليس تفصيلا، بل مشكلة حقيقية تؤثر على مستقبله.
ثانيا: يحب وضع نوع من الضرائب التي ترفع من تكلفة التلوث مما يحسن الايرادات ويخفف الضرر عن صحة المواطن، وهنا مطلوب سياسات مالية ونقدية مشتركة في كل الدول حتى لا تنتقل الصناعات الملوثة من دولة الى أخرى. ثالثا: يجب تفعيل التنسيق بين الدول، وبينها وبين المنظمات الدولية والاقليمية كي تتحقق النتائج المطلوبة.
أخيرا: يحتاج العالم الى تكنولوجيا جديدة في قطاع الطاقة تخفف من الانبعاثات، وربما تساهم في تنظيف المياه والهواء والطبيعة.

خبير اقتصادي لبناني

You might also like