كيشة بنت معن زوجات صالحات 5

0

إعداد – أماني أحمد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة كبيشة والدها معن بن عاصم، وزوجها أبوقيس بن الأسلت، ويدعى :عامر بن جشم ..أنصاري، أوسي.
كان أبو قيس بن الأسلت زوج السيدة كبيشة رضي الله عنها شاعرا مفوها، وفارسا مجيدا، وقيل: إنه كانت له صحبة، وحين أسلم وحسن إسلامه أخذ يدعو قومه إلى الإسلام وتصديق المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقول للناس: هيا استبقوا إلى هذا الرجل.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى في كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم”: دخل أبى قيس الإسلام بعد أن حضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمع إلى حديثه العطر، فقد مكنه عقله الراجح فى الجاهلية من مقارنة الإسلام بغيره من الشرائع، وكان دائب السؤال والاستفسار والتفكير.
وكان لابد لهذا الرجل العاقل العالم من أن يحسن اختيار شريكة حياته، ووافقت كبيشة هوى في نفسه، وكانت ممن أسلمن وحسن إسلامها رضي الله عنها .
وعاش الزوجان معا في السراء والضراء، في تفاهم تام، لا يكدره خصام، وكان أبو قيس قد تزوج عدة مرات ولم تثمر هذه الزيجات إلا عن ولد وحيد، وقد توفيت أم هذا الولد قبل أن يبلغ الحلم، فتزوج أبو قيس من كبيشة، وبعد إتمام الزواج الميمون جاء أهل زوجته السابقة يريدون أخذ الولد ليعيش بينهم، فأبى أبوقيس أن يعطيهم إياه، وأصر على أن يعيش ابنه فى كنفه، فوافق القوم شريطة أن تحسن كبيشة امرأته الجديدة معاملته، وترعاه كما لو كان ولدها، ولما علما القوم ما يلقاه الصبي من حسن رعاية زوج أبيه له، سروا بذلك وانصرفوا ممتنين.
ولمس أبو قيس الرعاية الجيدة التي يلقاها ابنه من كبيشة فازداد لها حبا، وعاش الزوجان عدة سنوات، وعلى حين غرة ألم بأبي قيس مرض ألزمه الرقاد فى الفراش، فوقفت كبيشة إلى جانبه على خير ما يرام، وباتت له نعم الممرضة، ولم تأل جهدا من أجل شفائه، وتخفيف آلامه، وظلت تدعو الله وتصلى حتى يرد الله عليه عافيته. ولكن لا يغنى عن المريض شئ إذا حان الأجل ، وأزفت ساعة الرحيل.
وحين أيقن أبو قيس بالنهاية قال لزوجه كبيشة:أوصيك خيرا بولدي، فهو لا يزال غصن العود، طرى الإهاب، وهو بحاجة شديدة لرعايتك حتى يبلغ مبلغ الرجال، وطمأنته كبيشة أنها تعده ولدها، ولا تعامله إلا على هذا الأساس. ثم لم يلبث أبو قيس أن انتقل إلى جوار ربه، فحولت كبيشة القدر الذى كانت تبذله في رعاية زوجها إلى ابنه، وزادت عنايتها به بعد أن أصبح لطيما.
وعلى الرغم من الخسارة الفادحة التي أصابت كبيشة بفقد زوجها المثالى أبى قيس، فإن عمق إيمانها، وحسن فهمها لإسلامها، ألزماها بالصبر، والرضا بقضاء الله وقدره.
ولكن هناك عادة جاهلية ذميمة، وعرف كريه بغيض، يعنى أمرين اثنين لا ثالث لهما، ولا مفر منهما لمن يموت زوجها، بعد أن يلقى عليها أهله الثوب الأسود، أما أولهما: فحرمانها من ميراث زوجها، ولا حق لها في تركته مهما قل أو كثر، وثانيهما، وهو أدهى وأمر، فهو : منعها من الخروج من بيت زوجها، أو الزواج إلا بواحد من أهل زوجها.
وهكذا أصبحت كبيشة سجينة بيتها، ورهينة داخل هذا الثوب الأسود الممقوت. واستعانت بالصبر والصلاة كما أمرها ربها، ودعت الله أن يفرج كربتها، ويخرجها من محنتها، ويرحم ضعفها، ثم بدا لها أن تتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشرح لها ظلامتها، وظلامة بنات جنسها اللواتى يعانين مما تعانيه، عسى أن تجد لديه الحل، أو يسأل الله لها فرجا ومخرجا .
وقال أهل أبى قيس لابنه: اخطب امرأة أبيك وتزوجها، فلما خطبها، قالت له: ما كنت أعدك إلا ولدي، وأنت من صالحي أهلك، ولكن آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأستأمره فيك، وهكذا تيسر لكبيشة الخروج من بيتها . ولما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إن أبا قيس قد هلك، وإن ابنه قيسا من خيار قومه، وقد خطبنى إلى نفسى فقلت له: ما كنت أعدك إلا ولدي، وسأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فما أنا بالتي أسبقك، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قولها، قال لها: “اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله”.
وانصرفت كبيشة عن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ومعها أمل عريض بأن الله ربها سيأتيها بالفرج لا محالة، لأنه لا يرضى بالظلم، ولا يسمح له أن يسود. وذاع خبر لقاء كبيشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن حالتها فريدة بين نساء المدينة، فأقبلت مثيلاتها إلى النبى صلى الله عليه وسلم عرضن عليه قصصهن فأجابهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس الجواب الذي قاله لكبيشة بنت معن فعدن إلى بيوتهن بانتظار جواب السماء.
وما كان الله ليدعهن دون أن ينزل قرآنا فيه حسم لقضاياهن، وقضاء على عادات جائرة جاء الإسلام لنسخها، ثم جاء جبريل عليه السلام بالبشرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيراً} سورة النساء الآية19.
وتلا ذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} سورة النساء الآية22.
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كبيشة رضى الله عنها وإلى أخواتها من المؤمنات اللواتى جئن يسألنه عن مثل مسألة كبيشة، فأخبرهن بحكم الله تعالى وإنصافه لهن، وتحريره لهن من تعسف الجاهلية وجورها وإسرافها في ظلم المرأة وقهرها، وصدق الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} سورة الأنعام الآية38.
أجل إن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المفسرة الموضحة والمبينة لأحكامه وضعت للإنسان القواعد اللازمة لحياته على أساس من العدل والكرامة والحرية ودفع الظلم رحم الله كبيشة المؤمنة الوفية، وأحسن نزلها ، ورضى عنها .

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

16 − عشرة =