كيف أدار عمر بن الخطاب أزمة طاعون عِمواس؟ (1من 2) قصص إسلامية

0 307

محمد الفوزان

في العام الثامن عشر من الهجرة وقع شيءٌ فظيعٌ مروِّعٌ، وهو ما تذكره المصادر باسم “طاعون عِمَواس” وقد سمِّي بطاعون عِمَواس نسبة إِلى بلدةٍ صغيرة، يقال لها: عِمَواس، وهي: بين القدس، والرَّملة؛ لأنَّها كانت أول ما نجم الدَّاء بها، ثمَّ انتشر في الشَّام منها، فنسب إِليها.
ففي سنة 17هـ أراد عمر رضي الله عنه أن يزور الشَّام للمرَّة الثَّانية، فخرج إِليها، ومعه المهاجرون، والأنصار حتّى نزل بِسَرْغٍ على حدود الحجاز والشَّام، فلقيه أمراء الأجناد، فأخبروه: أنَّ الأرض سقيمةٌ، وكان الطَّاعون بالشَّام، فشاور عمر رضي الله عنه واستقرَّ رأيه على الرُّجوع.
وبعد انصراف عمر رضي الله عنه حصل الطَّاعون الجارف المعروف بطاعون عِمَواس وكانت شدَّته بالشَّام، فهلك به خلقٌ كثيرٌ، منهم: أبو عبيدة بن الجرّاح، وهو أمير النَّاس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وقيل: استشهد باليرموك، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وأشراف النَّاس، ولم يرتفع عنهم الوباء إِلا بعد أن وليهم عمرو بن العاص، فخطب النَّاس، وقال لهم: أيُّها الناس! إِنَّ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه.
تأثَّر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحزن حزناً كبيراً لموت قادته العظام، وجنوده الشجعان بسبب الطَّاعون في الشَّام، وجاءته رسائل الأمراء من الشَّام تتساءل عن الميراث الَّذي تركه الأموات خلفهم، وعن أمورٍ عدة ، فجمع النَّاس، واستشارهم فيما جدَّ من أمورٍ، وعزم على أن يطوف على المسلمين في بلدانهم، لينظِّم لهم أمورهم، واستقرَّ رأي عمر بعد تبادل وجهات النَّظر مع مجلس الشُّورى أن يبدأ بالشَّام، فقد قال: إِنَّ مواريث أهل الشَّام قد ضاعت، فأبدأ بالشام فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثمَّ أرجع فأتقلَّب في البلاد، وأبدي لهم أمري، فسار عن المدينة واستخلف عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فلمَّا قدم الشَّام، قسم الأرزاق، وسمَّى الشَّواتي، والصَّوائف، وسدَّ فروج الشَّام، ومسالحها، وولَّى الولاة، فعين عبد الله بن قيس على السَّواحل من كلِّ كورة، واستعمل معاوية على دمشق، ورتَّب أمور الجند، والقادة والنَّاس، وورَّث الأحياء من الأموات.
وقبل أن يرجع إِلى المدينة خطب في النَّاس: ألا وإِنِّي قد وَلَّيْتُ عليكم، وقضيت الَّذي عليَّ في الَّذي ولاني الله من أمركم إِن شاء الله، فبسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم، ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجنَّدنا لكم الجنود، وهيَّأنا لكم الفروج، وبوَّأنا لكم، ووسَّعنا عليكم ما بلغ فيئكم، وما قلتم عليه من شامكم، وسمَّينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم، ومغانمكم، فمن علم شيئاً ينبغي العمل به، فليعلمنا؛ نعمل به إِن شاء الله، ولا قوة إِلا بالله. وكانت هذه الخطبة قبل الصَّلاة المذكورة.
لقد كان طاعون عمواس عظيم الخطر على المسلمين وأفنى منهم أكثر من عشرين ألفاً، وهو عددٌ يوازي نصفهم بالشَّام وربما تخوَّف من ذلك المسلمون يومئذٍ، واستشعروا الخطر من قبل الرُّوم ، لكنّ الله سلّم والحمد لله.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إِذا سمعتم به بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه”، وقد اختلف الصَّحابة في مفهوم النَّهي عن الخروج، والدُّخول، فمنهم من عمل به على ظاهره، ومنهم من تأوَّله، والَّذين تأوَّلوا النَّهي أباحوا خروج من وقع في أرضه الطَّاعون، وقد مرَّ علينا حرص الفاروق على إِخراج أبي عبيدة من الأرض الَّتي وقع فيها الطَّاعون إِلا أنَّ أبا عبيدة اعتذر -رضي الله عنه- كما أنَّ الفاروق طلب من أبي عبيدة أن يرتحل بالمسلمين من الأرض الغمقة الَّتي تكثر فيها المياه، والمستنقعات إِلى أرضٍ نزهةٍ عالية، ففعل أبو عبيدة، وكانت كتابة عمر إِلى أبي عبيدة بعد أن التقيا في سَرْغٍ، وسمعا حديث عبد الرَّحمن بن عوف بالنَّهي عن الخروج، والقدوم إِلى أرض الوباء، ورجع عمر إِلى المدينة، ويظهر: أنَّ الوباء كان في بدايته، ولم يكن قد استشرى، واشتعل لهيبه، فلمَّا رجع عمر إِلى المدينة؛ وصلت إليه أخبارٌ بكثرة الموت في هذا الطَّاعون.

إمام وخطيب

You might also like