كي لا تتحول “الحرير” مدينة “خيش” يا وزير الداخلية

0 355

أحمد عبد العزيز الجارالله

يبدو أن المسؤولين التنفيذيين ومعهم نواب الأمة يعملون بالمثل” الناس راجعة من الحج وحنا رايحين”، ففي الوقت الذي تنفتح فيه الدول المجاورة على العالم، وتعمل جدياً على تنويع مصادر الدخل، وجعل السياحة عنصراً أساسياً، عندنا يزداد إغلاق البلاد، وعزلها عن العالم، وتكثر مشاريع الاقتراحات التي لا تتناسب مع العصر، وكأن الكويت هي الجنة التي سيتسابق الناس عليها.
في المملكة العربية السعودية حالياً، وخصوصاً في مهرجان جدة السياحي الصيفي بات بإمكان أي كان الحصول على تأشيرة دخول إلكترونية خلال ثلاث دقائق، أما في الإمارات فإن تلك التأشيرة يحصل عليها في غضون ساعات قليلة، وكذلك الأمر في البحرين وسلطنة عمان وقطر، إلا في الكويت كأن طالب التأشيرة سيأتي إلينا غازياً ومدمراً.
في دولة الإمارات العربية المتحدة تعيش جاليات من نحو 200 جنسية، تمثل ما يزيد عن 150 قومية وتتحدث بـ 100 لغة ولهجة، فيما يبلغ عدد السكان 8.3 مليون نسمة، ونسبة المواطنين منها أقل من مليون نسمة (947,947)، ورغم ذلك لم تتأثر الإمارات سلباً من هذا التنوع ولم تفقد هويتها، بل زاد نشاطها الاقتصادي وتدفقت رؤوس الأموال عليها، وانتعشت السياحة رغم أن الطقس فيها مشابه لما في الكويت، ولم نلحظ أي حملات على الوافدين تصل إلى حدود التمييز العنصري فيها، لأن الدولة مارست دورها بشكل حازم، حفظت الأمن وتركت عباد الله تسترزق وتنفق ما تكسبه فيها.
في الكويت يجري الحديث عن تنشيط الاقتصاد الوطني، فيما القرارات التي تتخذ عكس ذلك، بل هي تكبله بقيود ما أنزل الله بها من سلطان، آخرها اقتراح تقدم به بعض النواب الأفاضل من أجل إنشاء هيئة لتنظيم التركيبة السكانية.
جيد أن تكون لدينا مثل هذه الهيئة، إذا كانت فعلاً هناك مخاطر على تلك التركيبة، لكن ليس في ظل هذا الانخفاض في الإنفاق الاستهلاكي للأسر الذي بلغ في عام واحد نحو 35 في المئة، ومعه تهاوت إيجارات الوحدات السكنية بنحو 25 في المئة، فيما زاد عدد العزاب، لتتحول الكويت أشبه بمعسكر للعزاب، بسبب القرارات الارتجالية غير المدروسة، فهل هذا يفيد الاقتصاد، أم هو لمصلحة تجار الإقامات والتأشيرات؟
عندنا يُعامل طالب التأشيرة كمتهم حتى لو ثبتت براءته، ولا تمنح له إلا بعد جهد جهيد، بينما في الإمارات والبحرين وقطر والسعودية وسلطنة عمان، لا تسأل السلطات عن العمر والهدف من الزيارة، وتقدم للزائر الكثير من التسهيلات.
وعندنا أيضاً يتهم الزائر أنه سيأتي ليتعالج في مستشفيات الدولة بالمجان، وكأننا في إحدى أكثر الدول المتقدمة طبياً، فيما غالبية المواطنين تذهب إلى العلاج في الخارج، وهذا أحد أكثر الملفات الذي تفوح منه رائحة الفساد والتكسب الانتخابي، لأن لو لدينا بنية تحتية صحية لما هرب المواطنون إلى الخارج، رغم ذلك يمكن جعل قطاع الاستشفاء في القطاع الخاص حيوياً وتكون لدينا سياحة طبية، كما هو معمول به في غالبية دول العالم وبينها بعض دول الخليج العربية، وهذا يساعد على تنشيط القطاع الفندقي لا أن تبقى فنادقنا شبه خاوية طوال العام.
لدينا مهرجان “هلا فبراير” وغيره من المهرجانات والمواسم، لكنها تبدو مثل عرس يحتفل به أهل الدار فقط، إذ لا نجد أي زوار من الخارج وإن وجد فهم قلة، بينما الواقع أنها مناسبات للجذب السياحي، لكن “عمك أصمخ”.
معالي نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، معني أكثر من غيره في هذا الأمر، ودور وزارته أساسي في هذا الشأن، فتسهيل منح التأشيرات يساعد على دوران عجلة الاقتصاد، لأن الزائر سيأتي من أجل الإنفاق، سواء أكان بقصد العلاج أم السياحة أم حتى التعلم في الجامعات الخاصة، وكل هذا يعود بالفائدة على البلاد.
تتجه الكويت إلى إطلاق مشروع المنطقة الشمالية الاقتصادية وأساسه مدينة الحرير، التي يبدو من توجهات النواب والتخلف في مقاربة مسألة تحريك العجلة الاقتصادية السائد حاليا أنهم سيجعلونها مدينة خيش وليس حريراً، لذلك كان الله في عون الساعين إلى استنهاض البلاد على تلك الذهنية التي تتحكم بالقرار التشريعي، وخوف بعض المسؤولين التنفيذيين.
لا مفر للكويت من أن تنفتح على العالم، وذلك يبدأ من تسهيل تأشيرات الدخول التي هي من مهمة معالي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية قبل أي مسؤول آخر، وعلى الجميع التخلص من هذا الانفصام في الشخصية السياسية، فإما الانفتاح أو العزلة القاتلة، وأن نحج مع الناس لا أن نذهب إلى الحج والناس راجعة منه.
معالي نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية.
الكويت بحاجة إلى ثورة في القرارات والإجراءات لتدخل العصر من أوسع أبوابه لا أن تبقى تتغنى بالماضي الذي لن يعود إذا استمرت عقلية الارتجال والتشكيك والانعزال التي ستجعلنا أشبه بجنوب أفريقيا أيام “الأبارتايد”.

You might also like