كي لا نلدغ من الجُحر مرتين

0 4

أحمد عبد العزيز الجارالله

صحيح أن ما يجري في بلاد الرافدين حاليا شأن داخلي مطلبي معيشي سببه الأوضاع الشاذة التي عاشها العراقيون طوال 15 سنة، لكن ذلك لا يمنع من الحذر، والواجب أن يكون في أعلى درجات الاستعداد، لأن عراق اليوم مختلف عما كان عليه في عهد صدام حسين، الذي كان يخطط لغزو الكويت بينما يشيع أجواء الاطمئنان في العالم العربي، الى حد ان الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك والملك الاردني الراحل حسين بن طلال، أكدا مراراً وتكراراً أن لا نيات عراقية للاقدام على أي عمل عسكري ضد بلادنا، لكن المحظور وقع.
لا نشك بموقف الحكومة العراقية الحالية المساند للكويت، لكن هذه الحكومة التي خاضت الحرب أربع سنوات ضد “داعش” تواجه اليوم واحدة من أكثر الازمات حدة، وهي في جوهرها سياسية بامتياز، القصد منها معاقبة العراقيين على موقفهم في الانتخابات من الأحزاب التابعة لإيران، كما لا تزال لقاسم سليماني اليد الطولى في تحريك الميليشيات الطائفية من أجل تعويض الخسائر الايرانية، لا سيما انه ممن كانوا يتبجحون بالسيطرة على أربع عواصم عربية، فيما حاليا تخرج الواحدة تلو الاخرى من هيمنتهم وكانت أهمها بغداد.
لهذا علينا ألا نكتفي بالقول إن ما يجري شأن داخلي لا يستدعي الحذر واليقظة والاستنفار، أو نعتبر التهديدات التي يطلقها اتباع بعض الاحزاب ضد الكويت والمملكة العربية السعودية مجرد مواقف عابرة، فالأوضاع الدولية في العام 1990 كانت مختلفة كليا عما هي اليوم، وهناك خلط أوراق يهدد مصير دول عدة في اقليمنا الذي يعاد رسم خرائطه بالدم والتهجير، وأي تطور دراماتيكي على حدودنا قد يتحول كارثة اذا ركنا الى القناعة أن جوعى العراق لن تستغلهم آلة الشر المعادية، التي مهما تلونت وتغيرت عناوينها يبقى جوهرها واحدا وهو المشروع التوسعي الفارسي.
خيراً فعلت القيادة السياسية عندما أعلنت تقديم كامل الدعم للحكومة العراقية، والمساهمة في تحلية المياه، وكذلك إعلان المملكة العربية السعودية تعويض النقص الناتج عن قطع ايران للكهرباء عن العراق، لكن ذلك لا يمنع من وضع ستراتيجية لمواجهة أي طارئ سلبي – لا سمح الله – فالعدو محشور في الزاوية ويسعى الى نفث سمومه بشتى الطرق.
ففي العام 1990 كانت في الجارة الشمالية أفعى واحدة، هي النظام الصدامي، اما اليوم فإن الافاعي كثيرة الى حد يصعب تمييزها عن بعضها بعضا، وكلها تدور في فلك المتآمرين على الكويت وبقية دول الخليج العربية، بدءا من “داعش” مرورا بما يسمى”الحشد الشعبي” وليس انتهاء ببقايا البعثيين الذين يبدو انهم بدأوا يلتقطون أنفاسهم بعد التغيرات الدراماتيكية في السنوات الماضية، وكل هذا يجعلنا نحذر من أي “جرة حبل” كما يقال في المثل كي لا نلدغ من الجحر ذاته مرتين.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.