لاءات الضياع العربية من الخرطوم إلى سوتشي

هل هي الصدفة أن يكون رافع شعار “لا للأسد في مستقبل سورية”، ابن شقيق وزير خارجية سورية أثناء هزيمة يونيو العام 1967، ورافع شعار الـ”لاءات الثلاث” في قمة الخرطوم، وصاحب مقولة:” ليس مهماً أن نخسر المدن لأن العدو هدفه القضاء على الثورة” ردا على احتلال اسرائيل لهضبة الجولان؟
لا شك أن الجميع في العالم العربي يعرف قصة قمة الخرطوم التي استكمل فيها العرب تضييع الفرص التاريخية، لكن ان يتكرر المشهد وان ببعض الاختلاف لان ثمة ثأرا بين أحد اركان المعارضة، منذر ماخوس، وبين حافظ الاسد ممثلا بابنه بشار حاليا، فإن في ذلك اعادة هزلية للتاريخ، تحمل في طياتها مأساة سورية كبيرة.
حين تحاول المعارضة فرض شروط شبه مستحيلة في المفاوضات السورية – السورية السائحة بين جنيف واستانا وسوتشي الروسية، فإن ذلك لا تفسير له الا اطالة امد المعاناة على الشعب السوري، بالقتل والدمار والمزيد من التهجير، وهذا بحد ذاته اعادة للمشهد العربي من البوابة الشامية لما جرى بعد قمة الخرطوم، حين أخذت الحماسة ممثلي الوفود الى اعلان اللاءات الثلاثة”لا صلح لا اعتراف لا تفاوض”.
منذ بدأت الأزمة كانت هناك مشكلة كبرى للدول المعنية بالملف السوري، وهي ايجاد وفد موحد لتمثيل المعارضات التي وصل عدد فصائلها الى نحو 40 فصيلا، وتعددت منصات التفاوض بين القاهرة وموسكو والرياض، وهي تتقاتل مع بعضها بعضا اكثر من قتالها مع من تعتبره عدوها، فيما قوات الحرس الثوري الايراني والميليشيات المدعومة ايرانيا تتوسع في الانتشار على معظم الاراضي السورية، تماما كما هي حال اسرائيل التي عملت على ضم الأراضي التي احتلتها في العام 1967، بينما العرب، إما غارقون في خلافاتهم، او متمسكون بـ”لاءات” لم تعد لهم شبرا واحدا من فلسطين.
اليوم أمام المعارضة السورية فرصة للعمل على انهاء معاناة الشعب السوري، وهي أن تتبع مبدأ “خذ وطالب” الذي عملت عليه كل معارضات العالم ونالت ما تريد، من دون أن تغرق بلادها في اتون الحروب الاهلية، خصوصا انها لا تملك قوة تؤهلها لفرض الخيارات نتيجة تغير ميزان القوى على الارض لمصلحة نظام يتمتع بتأييد الجيش والمليشيات المسلحة والاجهزة الامنية، ومعترف به دوليا، ولديه تحالفات مع قوى عظمى، خصوصا روسيا والصين، وهو لا شك لن يسلم في المفاوضات ما لم يسلمه بالحرب، خصوصا لمعارضة لا تزال حتى اليوم منقسمة على ذاتها؟
لنتحدث بصارحة، لقد عرف الشعب مساوىء وحسنات النظام طوال العقود الاربعة الماضية، فيما لا يعرف من هي هذه المعارضة، أو بالأحرى المعارضات غير المتفقة على الحد الادنى، كذلك المجتمع الدولي، ورغم تعدد مواقفه من النظام الا انه يعرف سياسته، وبالتالي هل من الممكن ان يجري تسليم سورية الى مجهولين، نصف الفصائل التي يمثلونها مدرجة على قائمة الارهاب؟
هذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة امام الجميع، خصوصا السوريين الذين لا يدركون ان تضييع فرصة التوصل الى حل ستزيد من التغلغل والهيمنة الايرانية على بلادهم، وهو ما يثير حساسية بالغة لدى العرب عموما، ويدفع الى اطالة أمد الحرب.
كما بات من الضروري ان تدرك المعارضة السورية ان الولايات المتحدة الاميركية وروسيا وحتى دول عربية قد تخلت عن شرط رحيل بشار الاسد عن السلطة، بل الجميع يسعى الى انهاء الحرب وابعاد ايران عن سورية، وذلك لن يتحقق اذا استمرت لعبة تسويف الفرص، فاذا كانت لاءات الخرطوم قد ضيعت فلسطين، فان “اللا” التي ترفعها المعارضة اليوم ستضيع سورية، فيما بات المطلب الاساس للشعب، على اختلاف الانتماءات السياسية والطائفية والعرقية, الأمن والاستقرار، وبعد ذلك يقرر عبر انتخابات باشراف دولي من يحكمه، اما اليوم فلم يعد يهمه ان يتحقق مطلبه هذا بوجود نظام الاسد او المعارضة.
هل ستدرك المعارضة ذلك، وبالتالي يخرج رئيس وفدها المفاوض من شرنقة الانتقام لعمه بعد نصف قرن على ابعاده من الحكم، أم سيبقى اسير ذلك؟

أحمد الجارالله