محبرة وقلم

لا أعد الإقتار عدما ولكن فقد من قد رزئته الإعدام محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

الإقتار: الشدة وضيق العيش وقلة المال، وإقتار: اسم، مصدر: أقتر، وإذا أقتر المرء أفتقر، والإعدام نفس المعنى المعروف وهي مأخوذة من العدم. أما قوله «رزئته» فأصيب بمصيبة عظيمة. يقول ابن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير بن العوام:
إن الرزية يوم مسكن
والمصيبة والفجيعة
يا بن الحواري الذي
لم يعده يوم الوقيعة
قرن الرزية بالمصيبة والفجيعة لعظمها وشدة وقعها على النفس، لنتأمل معاً هذا البيت:
لا أعد الإقتار عدما ولكن
فقد من قد رزئته الإعدام
بيت حكمة صادق، فالمال يذهب ويأتي، لكن إذا ذهب عزيز عليك وغادر هذه الدنيا أحسست بالرزية وبعظم مصابك، تقول أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف تبكي أهلها الذين قتلوا في حرب الفجار:
أبى ليلك لا يذهب
ونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوال
بين الدلو والعقرب
وهذا الصبح لا يأتي
ولا يدنو ولا يقرب
بفقد عشيرة منا
كرام الخيم والمنصب
أحال عليهم دهر
حديد الناب والمخلب
وما عنه إذا حل
من منجى ولا مهرب
ألا يا عين فأبكيهم
بدمع منك مستغرب
فإن أبك فهم عزى
وهم ركني وهم منكب
وهم أصلي وهم فرعي
وهم نسبي إذا أنسب
وهم مجدي وهم شرفي
وهم حصني إذا أرهب
وهم رمحي وهم ترسي
وهم سيفي إذا أغضب
أما صاحب بيت الشعر عنوان الموضوع فهو الشاعر الجاهلي جارية بن الحجاج بن بحر بن عصام (أبي دواد الأيادي) شاعر قديم، غلب على شعره وصف الخيل، وله غير ذلك فخر ومدح. روى ابن الكلبي عن أبيه أن أبا دواد الأيادي مدح الحارث بن همام بن مرة، فأعطاه عطايا كثيرة، ثم مات ابن لأبي دواد وهو في جواره، فوداه الحارث، فمدحه أبو دواد، فحلف له الحارث ألا يموت له ولد إلا وداه، ولا يذهب له مال إلا أخلفه، فضربت العرب المثل بجار أبو دواد، وفيه يقول سيد عبس: قيس بن زهير:
أطوّف ما أطوّف ثم آوي
إلى جار كجار أبي دواد
ولما مات أبو دواد رثاه ابن له يقال له دواد فقال:
فبات فينا وأمسى تحت هائرة
ما بعد يومك من ممسى وإصباح
لا يدفع السقم إلا أن نفديه
ولو ملكنا مسكنا السقم بالراح
تزوج أبو دواد امرأة من قومه، فولدت له دواداً ثم ماتت، فتزوج أخرى فآذت ابنه وأولعت به، وأمرت أباه أن يجفوه ويبعده، وكان يحبها، فقالت له: أخرجه عني، فخرج به وقد أردفه خلفه، إلى أن انتهى إلى أرض جرداء ليس فيها شيء، فألقى سوطه متعمداً، وقال: أي دواد، انزل فناولني سوطي. فنزل دواد، فدفع بعيره وناداه:
أدواد إن الأمر أصبح ما ترى
فانظر دواد لأي أرض تعمد
فقال له دواد: على رسلك. فوقف له فناداه:
وبأي ظنك أن أقيم ببلـدةٍ
جرداء ليس بغيرها متلدد”
فرجع إليه وقال له: أنت والله ابني حقاً، ثم رده إلى منزله، وطلق امرأته، وأمير شعر أبي دواد ابياته التي يقول فيها:
منع النوم ماوي التهمام
وجدير بالهم من لا ينام
من ينم ليلة فقد أعمل الليل
وذو البث ساهر مستهام
وفيها يقول:
لا اعد الاقتارعدما ولكن
فقد من قدرزئته الاعدام
من رجال من الاقارب فادوا
من حذاق هم الرؤوس العظام
فهم للملاينين أناة
وعرام اذا يراد عرام
وسماح لدى السنين اذا ما
قحط القطر واستقل الرهام
ويقول يبكي من مات منهم:
“سلط الدهر والمنون عليهم
فلهم في صدى المقابر هام
وكذاكم مصير كل أناس
سوف حقا تبليهم الايام
فعلىإثرهم تساقط نفسي
حسرات وذكرهم لي سقام
سئل الحطيئة الشاعر: من اشعر الناس؟ فقال: ابو دواد حيث يقول:
لا اعد الاقتار عدما ولكن
فقد من قد رزئته الاعدام
وكانت اياد تفخر على العرب فتقول: منااجود الناس كعب بن مامة، ومنا اشعر الناس:” ابو دواد، وذكر الاصمعي ان ثلاثة كانوا يصفون الخيل لا يقاربهم احد: طفيل الغوي، وابو دواد الايادي، والجعدي، فاما ابو دواد فكان على خيل المنذر بن النعمان بن المنذر، وعن ابي عبيدة قال: ابو دواد اوصف الناس للفرس في الجاهلية والاسلام وبعده طفيل الغنوي والنابغة الجعدي، وروى ابو عمرو الشيباني قال: كانت لابي دواد امرأة يقال لها ام حبتر فلامته على سماحته بماله فلم يطعها فصرمته فقال لها:
حاولت حين صرمتنـي
والمرء يعجز لا محالة
والدهر يلعب بالفـتـى
والدهر أروغ من ثعالة
والمرء يكسـب مـالـه
والشح يورثه الكـلالـة
والعبد يقرع بالـعـصـا
والحر تكفيه المقـالـة
كان موالد ابي دواد الايادي 146 قبل الهجرة وتوفي قبل الهجرة بـ79 سنة، وبذلك يكون عاش سبعة وستين عاما.

أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله
Mshal.AlSaed@gmail.com