لا الحرب أحيت “كليبا” ولا أعادت السلام لسورية

قيل إنه ربيع عربي، لكنه اتضح أنه شتاء دموي وزلازل واعاصير كادت تطيح بكل العرب، دون استثناء، ففيه فتحت شهية الجماعات المتطرفة، بدءا بـ”الإخوان” وليس انتهاء بـ”حزب الله” و”الحشد الشعبي” و”القاعدة” و”داعش”، للحصول على مغانمها بدماء الشعوب ودمار الدول، فدمرت ليبيا والعراق واليمن، أما الصومال فلها قصة اخرى، وحلت رحالها في سورية التي تعيش منذ سبع سنوات جحيما لا يوازيه جحيم.
في سورية لم يبق أفاق ومرتزق إلا ودخلها تحت عنوان تحرير الشعب من القمع والقهر، فازداده ذلك فقرا وقمعا وقتلا وعوزا، حتى اصبح النزوح والتهجير والموت هربا فرضا على ملايين المشردين، ولا يزال هناك من يسعى الى فرض إرادته، مصورا نفسه انه صاحب الحق، بل بعضهم يزعم غيرته على السوريين اكثر من أنفسهم، فلا يريدهم أن يذهبوا الى حل سياسي انما يريد اسقاط النظام الذي قال رئيسه منذ اللحظة الاولى:” ان سورية مختلفة عن بقية الدول” التي اجتاحها طاعون شتاء القتل والدمار.
كل الذين تدخلوا في هذا البلد العربي اتخذوا من حادثة في درعا ذريعة لهم، وقالوا كما قال جساس بن مرة:” اعيدوا لي كليبا حيا كي اوقف الحرب”، وهي التي اشعلتها ناقة عقرت غيلة، فلا الدم أحيا كليبا ولا الحرب انتهت الا بعد أربعين عاما، وافنت آلافا من قبيلتين، فهل ستبقى تلك القشة سببا لتقصم ظهر البعير لانهم لا يرون القذى في عيونهم؟
استعانوا بالمرتزقة من كل دول العالم، ودخلت الولايات المتحدة الاميركية بقواتها الى سورية حيث استعان النظام بايران وميليشيات مأجورة لها، وبعدها بروسيا، في مواجهة كل تلك الدول التي تدخلت مباشرة أو غير مباشرة، عربية كانت أو اجنبية، حتى اصبحت سورية اليوم محتلة من خمس دول، روسيا وايران وتركيا الولايات المتحدة وفرنسا، وربما اكثر، فيما تعج بالمقاتلين الاجانب من كل صنف ولون، فهل هذه هي الثورة التي ستجلب العدالة الى الشعب السوري النازح عن ارضه، هل ما يزال للسوريين مكان بين عشرات الالاف من المقاتلين، ام هي حرب بالوكالة وقودها شعب مغلوب على أمره؟
في بداية الأزمة استعرت الحملات الاعلامية، وأيدت الصحافة العربية مزاعم من اسموا انفسهم ثوارا، ووقفت دول عربية خليجية الى جانبهم بحجة تخليص السوريين من القمع، فيما القمع موجود في غالبية دول العالم، ومنذ سبع سنوات تعيش سورية مشهدا لا يختلف كثيرا عن مشهد مقتل كليب، أي انها تدور في حلقة عنف مفرغة باتت مأساة لا حل لها الا عبر عملية سياسية، لا غالب فيها الا سورية، لا المعارضة ولا النظام، وان تكون هناك حكومة مشتركة من عقلاء الاولى ونخبة الثاني كي ترسي خارطة طريق الى الخروج من المأساة.
لخمسين دقيقة قصفت ثلاث دول مواقع في سورية بعشرات الصواريخ، لكنها لم تؤد الى أي نتيجة، فيما النظام قال إنه تصدى لها وصمد، وبات واضحا للجميع ان الحل العسكري هو استمرار للعبث لا اكثر، لذلك لا حل الا عبر المفاوضات بين السوريين انفسهم.
في الحرب العالمية الثانية عندما انهزمت اليابان، وكان يومها امبراطورها شبه مقدس، اضطر ان يخرج الى الشعب بخطاب عبر الاذاعة، ويذهب الى مدمرة اميركية كي يوقع على الاستسلام، في سبيل مستقبل شعبه، وهنا لا نتحدث عن هزيمة الرئيس بشار الاسد، بل عن هزيمة “جيوش” تدخلت في بلاده، فلماذا لا ترفع تلك “الجيوش” يدها عن سورية وتتركها تقرر مصيرها بنفسها، أم أنها تعتقد ان الشعب السوري ما زال قاصرا؟

أحمد الجارالله