لا تتركوا الشياطين تعبث بـ”الخليجي”

أثبت مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ العام 1981 انه المنظومة العربية الاكثر قدرة على مواجهة التحديات، أكان من الخارج حين تعرض، وما زال، لمحاولات اضعافه وحرفه عن مساره، او داخليا من خلال اراء متشائمة لبعض ابنائه المنطلقة من حسابات ايديولوجية لتيارات سياسية معروفة الاهداف، بل إن المجلس وفي المرحلة الماضية كانت لديه القدرة على جعل التحديات فرصا لمزيد من الاندماج.
هذه المنظومة التي تأسست بمبادرة من المغفور له الشيخ جابر الاحمد الصباح في القمة العربية المنعقدة في العاصمة الاردنية عمان في نوفمبر العام 1980، حين رأى، رحمه الله، مدى الافتراق العربي حتى على مساعدة احدى دوله، وهي السودان التي كانت تعتبر سلة غذاء العالم العربي، وكيف اختلف العرب يومها على من يدفع أربعة مليارات دولار أقرت لتنمية هذه الدولة العربية الافريقية.
اذكر جيدا، اثناء تلك الجلسة ارسل الشيخ جابر الاحمد قصاصة ورق الى الملك فهد بن عبدالعزيز، ويومها كان وليا للعهد، ويرأس الوفد السعودي، كتب فيها ” اما آن لدول الخليج ان تتجمع في منظومة واحدة”؟
أخذ هذا الاقتراح طريقه الى التنفيذ السريع بسبب التشابه الكبير في الثقافة بين شعوب دول المجلس، والتجانس الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وعلى عكس كل التجمعات العربية الاخرى وُلد صحيح البنية وقوياً، ولقد اثبت قوته في مواجهة تداعيات الحرب العراقية- الايرانية، التي كانت قد اندلعت قبل ولادته بنحو عام او اقل.
الامتحان الصعب الاول كان في مواجهة الغزو العراقي للكويت في العام 1990، اي بعد تسع سنوات على وجوده، وفي مرحلة كان لا يزال يتلمس طريقه نحو تجذير التعاون بين دوله، ولذلك فإن هذه الازمات كانت تشد من عزيمة قادته على الاستمرار في المنظومة، وبعدها اثبت قدرته في التصدي للعدوان الخارجي المباشر، اكان من خلال دحر المشروع الفارسي في البحرين او اليمن، او عبر مقاومته للحروب السياسية الضروس عليه من جهات اخرى.
اليوم، وبسبب تداعيات الازمة القطرية مع ثلاث من دوله، كثرت دعوات “فطاحل الاعلاميين”، عبر وسائل الاعلام القطرية، الى انسحاب الدوحة من المجلس، وصوره بعضهم وكأنه في حال موت سريري بات من الضروري دفنه، في وقت كانت دول العالم، ولا سيما الكبرى منها، تشدد على ضرورة الحفاظ على هذا المجلس لانه الضمانة الوحيدة لاعضائه في ترسيخ الاستقرار، وابعادها عن التهديدات التي تواجهها من اطراف تسعى الى تمزيقه لتستطيع مد سيطرتها على دوله، رغم ذلك فان انسحاب عضو لا يعني موت المجلس، بل تستطيع الدول الخمس الباقية السير قدما به حتى تصل للاهداف المحددة في نظامه الداخلي.
من هذا المنطلق كان تأكيد صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد، وفي مناسبات عدة، ان المجلس المستمر من 37 سنة لن يتفكك، وهو باق وأن لا ازمات يمكن ان تهدد وجوده، ولهذا تشديده الدائم على حل الازمة الحالية بين الدول الخليجية الاربع ضمن البيت الخليجي.
في المقابل، جيد ان وزير خارجية قطر اعلن قبل ايام ان حكومة بلاده لا تفكر بالانسحاب من المجلس، وهذا موقف يمكن البناء عليه في ما يتعلق بانعقاد القمة الخليجية، التي هي مطلب شعبي، لان شعوب هذه الدول، بما فيها القطري، لا تريد انهيار المنظومة الضمانة لها، وبالتالي على الجميع الشعور بالمسؤولية التاريخية في هذا الشأن، والا يفقدوا هذه القوة الكبيرة، لأن أي انحراف عن مسار تعزيز العلاقات الداخلية سيؤدي الى تسلل الشياطين الى التفاصيل للعبث بأمن دولنا، ولهذا فإن انعقاد القمة يقفل الباب في مواجهة الرياح، وتستطيع دولنا الوصول الى ما تريد من خلال الحوار الداخلي.

أحمد الجارالله