لا تجعلوا إسرائيل حَكَماً بينكم

أصاب من قال إن العرب خير من يضيعون الفرص، خصوصاً في المجال السياسي، وتحديداً في قضية فلسطين التي توزع دمها بين القبائل الحزبية والمصالح الخاصة، فبدلاً من القبول بالتقسيم في العام 1948 والانطلاق نحو بناء دولة مستقلة عاصمتها القدس… كل القدس وليس جزءاً منها، رفض العرب القرار لتضيع فلسطين في غمرة الشعارات والانهزامات المتتالية.
قبل ذلك وأثناء الحرب العالمية الثانية اشترى الحاج أمين الحسيني، رئيس اللجنة العربية العليا أثناء الحرب العالمية الثانية عداء الدول الغربية للفلسطينيين من خلال تأييده للزعيم النازي أدولف هتلر، وكان ذلك سبب ضياع أول فرصة بعد انتهاء الحرب بثلاث سنوات حين ناصر الغرب وأوروبا اليهود وساعدوهم على إقامة دولتهم.
الفرصة الثانية ضاعت في ستينات القرن الماضي حين اختلف العرب على مباردة روجرز، ففي حين قبلها جمال عبدالناصر رفضها العرب، ويومذاك اجتمع مع ياسر عرفات سبع ساعات في الاسكندرية، وبعد نقاش سأله: بكم سنة تتوقعون تحرير فلسطين؟ فرد الأخير: بعشرين سنة. فقال عبدالناصر: من خلال هذه المبادرة أعيد إليكم الضفة الغربية وغزة في سنة واحدة، وأنتم تفرغوا لتحرير بقية أرضكم في 19 سنة، كان ذلك بعد حرب يونيو 1967 حين احتلت إسرائيل فلسطين كلها وسيناء والجولان.
اليوم يطالب العرب بالعودة إلى حدود الرابع من يونيو، وهم بذلك يعملون وفقاً لنظرية رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول “نحن لسنا بحاجة إلى السلام مع العرب، إذ يكفي أن نخوض كل عشر سنوات حرباً معهم، ونحتل أرضاً جديدة، وبعدها ينسى هؤلاء الأراضي المحتلة سابقاً ويطالبون باستعادة الأراضي التي احتلت أخيراً”.
علينا أن نعترف أن العرب ضيعوا الكثير من الفرص في السابق وما زالوا، وذلك بسبب تعدد مواقفهم وتذبذب خياراتهم، فيما إسرائيل تتوجه إلى العالم بستراتيجية واحدة منذ العام 1947، وهي أنها تطلب السلام لكن العرب يرفضونه، وفيما العرب يقابلون أي خطوة نحو السلام بتخوين صاحبها.
هكذا حصل مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات بعقده اتفاق كامب ديفيد، الذي لا تزال إسرائيل تتعاطى معه إلى اليوم أنه سكين في خاصرتها لأنه قدم دليلاً على مراوغتها في إعلان الرغبة بالسلام، وقد أثبتت الأحداث بعد أربعة عقود صواب موقف السادات.
في إحدى القمم التي جمعت الملك فهد بن عبدالعزيز بالرئيس الأميركي رونالد ريغان، سأل الملك فهد الرئيس الأميركي: لماذا تقدمون مصلحة إسرائيل على الحقوق العربية، وتتعاطفون معها؟ فأجاب ريغان: إن إسرائيل تقدم لنا مقترحات للسلام وموقفها موحد وهي باتت دولة معترف فيها، بينما العرب لا يتحدثون إلا عن العنف وأنهم سيرمون اليهود في البحر.
رداً على ذلك قدم الملك فهد في العام 1981، وكان يومها ولياً للعهد مبادرته للسلام التي أقرت في قمة فاس الثانية العام 1982، غير أنها ماتت تحت ركام الضغط العربي عليها، وخصوصاً من مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية، ويومها بدأت أوركسترا التخوين العربية عزفها النشاز ضد السعودية، وهذه أيضاً من الفرص الضائعة.
تبع ذلك مبادرة الملك عبدالله التي أقرت في قمة بيروت العام 2002، وأيضاً قصفت بقذائف التخوين العربي الشعاراتي، فيما إسرائيل تتوسع أكثر في الأراضي الفلسطينية المحتلة لدرجة كادت تصبح مكاناً غير مناسب لدولة قابلة للحياة.
كل هذا يجري فيما العرب منشغلون بأنفسهم وبربيعهم العربي الذي دمر ليبيا والعراق وسورية وتونس وكاد يضيع مصر ودول الخليج العربية، لولا حكمة قادتها التي وأدت هذه الفتنة في مهدها.
علينا، كعرب الاعتراف أن إسرائيل انتصرت في كل هذا، ففيما بيننا من يكتفي بالشعارات وتخوين كل من يعلن مبادرة للسلام، تسعى هي إلى استكمال مشروعها الذي لن يوقفه إلا السلام المحكم بشروط تحفظ ما تبقى من فلسطين، حتى لا نصل إلى يوم يصبح فيه الفلسطينيون مشكلة عربية ونطلب فيها أن تكون إسرائيل الحكم بينناً.
أحمد الجارالله