لا تجعلوا العراق محرقة إرضاءً لعملاء إيران

0 10

أحمد عبد العزيز الجارالله

لم يكد ينتهي رئيس الوزراء حيدر العبادي من تصريح عن التزام بلاده”العقوبات الأميركية على إيران من أجل مصلحة الشعب العراقي”، حتى اشتعلت جبهة المواقف السلبية الإيرانية ضد بغداد، وبدت طهران كأنها ترفع لواء إعادة الأمور إلى ما كانت عليه في العام 2013 حين أمرت نوري المالكي بفتح الأبواب أمام “داعش” كي يجتاح نحو ثلث الأراضي العراقية، وإعلان ما يسمى “الخلافة الإسلامية”، وبدأت معزوفة نعت العراقيين بعدم الوفاء لإيران.
بعد أسبوع من تلك الموجة يبدو أن رئيس الوزراء العراقي خضع للضغوط الميليشياوية، فأعلن أن تصريحه “فهم خطأ”، وأن “العراق لن يستخدم الدولار في تعاملاته مع إيران”، بمعنى التراجع عن موقفه الأول المنسجم، كما قال هو، مع “مصلحة الشعب العراقي”، هذه المصلحة يبدو أنها أضعف من التهويل الإعلامي، وتخلٍ واضح عن دعم الولايات المتحدة الأميركية للحكومة العراقية منذ العام 2003.
يتناسى العبادي أن الحكم الذي يقوده اليوم ما كان سيرى النور، ولا حتى هو شخصيا، ما كان سيعود من منفاه لولا الولايات المتحدة التي قادت عملية تحرير العراق من صدام حسين، وأن القضاء على الألعوبة الإيرانية المسماة “داعش” ما كان سينجح لو أن الجيش الأميركي والتحالف الدولي لم يضطلعا بالمهمة الأساسية، وأن جزءاً أساسياً من الأزمة السياسية الحالية سببه طهران التي منيت الأحزاب التابعة لها بخسائر كبيرة في الانتخابات الأخيرة بعدما اختارت الغالبية العمق العربي بديلا عن القناع الإيراني.
هذه الحقائق لا يجب أن تغيب عن بال صناع القرار العراقيين الذين يدركون أن لا قبل لهم على مقاومة الولايات المتحدة، وهم لا يمتلكون عشر قوة الاتحاد الأوروبي الذي انصاع للعقوبات كي لا تخسر شركاته السوق الأميركية مقابل التمسك بالسوق الإيرانية المحدودة، ولا لديهم حجم الاقتصاد الروسي الذي رغم قوته لم يستطع الوقوف بوجه الولايات المتحدة.
ليس من الحصافة الانسياق خلف الشعارات الحزبية، فتلك لها المنابر لشد عصب الناس، لكن الدول تقاد بالواقعية، فإذا كانت طهران تدق طبول التحدي فلأنها تدرك جيدا أن الخيارات مريرة بالنسبة لها، وهي إما التخلي عن المشاريع الإرهابية مقابل العودة إلى السوق الدولية، وإما المضي في الغي حتى الانتحار.
إذا كان يراهن العبادي على حلفاء الخلافات الطارئة، مثل تركيا، فإنه يجانب الصواب في ذلك، فأنقرة الرافعة لواء تحدي واشنطن حاليا تدرك جيدا ان ذلك سيؤدي بها إلى طريق مسدود، وفي هذه الحال ما عليه غير قراءة تقرير مستشارية الخزينة التركية عن إحصاءات صافي وإجمالي الديون الخارجية التي ارتفعت في عهد حزب العدالة والتنمية 229 في المئة منذ العام 2002، وبلغت حتى نهاية العام الماضي 438 مليار دولار، كي يدرك أن سياسة الشعارات العثمانية ليست أكثر من ذر للرماد في العيون، وأن الأزمة المالية التركية ستزداد تفاقما في الأشهر المقبلة.
إن خروج العراق على الإجماع الدولي في معاقبة إيران هو انتحار، وإذا كان الهدف من ذلك الاحتفاظ برئاسة الحكومة متعثرة التشكيل، فلديه مثال اكثر وضوحا، هو لبنان حيث يمنع “حزب الله” تشكيل الحكومة ليبقي على حال الفوضى الدستورية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
نتيجة لكل ذلك على العبادي ألا يجعل العراق محرقة جديدة إرضاءً لعملاء إيران، لأنه بذلك سيخسر أي أمل بعودة الأمن والاستقرار طالما بقيت بغداد أداة بيد طهران من ضمن أدوات إرهاب وابتزاز العالم التي تخسرها الواحدة تلو الأخرى.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.