محبرة وقلم

“لا تقولن إذا ما لم ترد أن تتم الوعد في شيء نعم” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

الوعد عهد ومن نكث بوعده فلا عهد له ولا ذمة، ليس ذلك فقط، إنما عد في زمرة المنافقين، وانطبق عليه قول المصطفى( عليه الصلاة والسلام): “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان” (متفق عليه)، أيها المرء وكلنا هذا المرء، لا تقل نعم إلا لشيء تستطعه، حتى لا تضطر لقول لا بعد نعم، وتصبح في موقف حرج وتستصغرك الناس، أنت في غنى عن ذلك.
“لا تقولن إذا ما لم ترد
أن تم الوعد في شيء نعم”.
هذا البيت لشاعر جاهلي من كبار الشعراء العرب هو العائذ بن محصن بن ثعلبة أبوعدي المعروف بلقبه المثقب العبدي، ينتمي لقبيلة عبد قيس من بني ربيعة، من أهل البحرين، ولد قبل الهجرة بواحد وسبعين عاما وعاش خمس وثلاثين سنة، عاصر الملك عمرو بن هند، ومدح النعمان بن المنذر، ذكره ابن قتيبة في كتابه”الشعر والشعراء”، وقال: “شاعر قديم، عاش مع قومه في البحرين التي كانت تمتد في الماضي من البصرة إلى عمان على شاطئ الخليج العربي”، وهو من شعراء القرن السادس الميلادي ، جدير بالذكر أنه خال الشاعر الجاهلي المشهورشأس بن نهار العبدي الملقب بالممزق العبدي. سمي بالمثقب لقوله:
“رددن تحية وكنن أخرى
وثقبن الوصاوص للعيون”.
والوصاوص جمع: وصوص، وهو البرقع الصغير تلبسه الفتاة، وهو القائل:
” وللموت خير للفتى من حياته
إذا لم يثب للأمر إلا بقائد
فعالج جسيمات الأمور ولا تكن
هبيت الفؤاد همة للوسائد”.
تميز شعر المثقب بدقة الوصف، وقوة الملاحظة والحس المرهف مع توثب الخاطر من غرض إلى غرض إلى جانب أبتداع في المعنى واللفظ، انتشر شعره بين العلماء والرواة وهذا يدل على جزالة شعره، ولقلة من يعرف تاريخ مولده فهناك من يقول خلاف ما ذكرته، وهو قول آخر أنه ولد وعاش في السنين الأولى من الهجرة إلا أنه لم يسلم، والله أعلم بالصواب، أما بيته عنوان الموضوع فهو ضمن قصيدة تعد من فاخر الشعر العربي وروائعه، يقول فيها:
” لا تَقولَنَّ إِذا ما لَم تُرِد
أَن تُتِمَّ الوَعدَ في شَيءٍ نَعَم
حَسَنٌ قَولُ نَعَم مِن بَعدِ لا
وَقَبيحٌ قَولُ لا بَعدَ نَعَم
إِنَّ لا بَعدَ نَعَم فاحِشَةٌ
فَبِلا فَاِبدَأ إِذا خِفتَ النَدَم
فَإِذا قُلتَ نَعَم فَاِصبِر لَها
بِنَجاحِ القول إِنَّ الخُلفَ ذَم
وَاِعلَمَ أَنَّ الذَمَّ نَقصٌ لِلفَتى
وَمَتى لا يَتَّقِ الذَمَّ يُذَم
أُكرِمُ الجارَ وَأَرعى حَقَّهُ
إِنَّ عِرفانَ الفَتى الحقَّ كَرَم
أَنا بَيتي مِن مَعَدٍّ في الذُرى
وَلِيَ الهامَةُ وَالفَرعُ الأَشَم
لا تَراني راتِعاً في مَجلِسٍ
في لُحومِ الناسِ كَالسَبعِ الضَرِم
إِنَّ شَرَّ الناسِ مَن يَكشِرُ لي
حينَ يَلقاني وَإِن غِبتُ شَتَم”.
ومن أبياته السائرة في الصديق وهي حكمة:
“فإما أن تكون أخي بصدق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطر حني واتخذني
عدوا أتقيك وتتقيني”.
وفيها يقول:
” وما أردي إذا يممت وجها
أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنال ابتغيه
أم الشر الذي هو يبتغيني”.
وقد ورد ذكر عمرو بن هند، وهو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان اللخمي، وهند أمة نسب لها، وهي هند بنت آكل المرار الكندي، كان يلقب بالمحرق الثاني، عرف بالشدة والصرامة، لم ير مبتسما أو ضاحكا، سبقه في الحكم أبوه المنذر بن أمرئ القيس، وتلاه أخوه قابوس بن المنذر، يقال له: عمرو الثالث، لقب بالمحرق الثاني لإحراقه بعض بني تميم لقتل رجل منهم يسمى سويد الدارمي إبنا له، قال هذا الملك الجبار يوما لمن عنده:”هل تعلمون أحدا من العرب يأنف أن تخدم أمه أمي”؟
قالوا:”لا، إلا عمرو بن كثلوم التغلبي، فإنها ليلى بنت المهلهل، وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم أفرس العربي”.
فبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره وطلب منه أن يصطحب معه أمه ليلى لتزور هندا، فقدم عليه عمرو من البحرين في فرسان تغلب ومعه أمه ليلى ، فقال عمرو بن هند لأمه:”إذا جلست معك ليلى نحي الخدم ومريها أن تناولك الشيء بعد الشيء،”، فلماجلستا معا قالت هند لليلى:”ناوليني هذا الطبق”؟ فقالت: ” لتقم صاحبة الحاجة لحاجتها”، فألحت عليها، فصاحت ليلى بنت المهلهل: “واذلاه، يالتغلب” فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم ي معلقته:
” أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا
وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَـا
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا
إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِيْنَـا
تَجُوْرُ بِذِي اللَّبَانَةِ عَنْ هَـوَاه
إِذَا مَا ذَاقَهَـا حَتَّـى يَلِيْنَـا
صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْـرٍو
وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَـا
وَمَا شَـرُّ الثَّـلاَثَةِ أُمَّ عَمْـرٍو
بِصَاحِبِكِ الذِي لاَ تَصْبَحِيْنَـا”.
وفيها يقول لعمرو بن هند:
أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا
وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَــا
بِأَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً
وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا
وَأَيَّـامٍ لَنَـا غُـرٍّ طِــوَالٍ
عَصَيْنَـا المَلِكَ فِيهَا أَنْ نَدِيْنَـا”.
وكان مقتل عمرو بن هند قبل الهجرة بنيف وأربعين عاما، وكان أول ملوك المناذرة عمر بن عدي وأخرهم النعمان بن المنذر الملقب بأبو قابوس وكان ملكهم منذ 300 ميلادية إلى 602 ميلادية
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله
* كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com