محبرة وقلم

“لا تمدحنّ أمراً حتى تجرّبه ولا تذمنّ من لم يبله الخبر” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

المدح كعنى: إحسان الثناء على المرء بما له من صفات حسنة، والمدح أعم وأشمل من الحمد، أما الذم فهو الضد من ذلك، فعندما يذم الشخص شخصاً إنما يظهر عيوبه ومساوئه للناس، والذم في اللغة العيب، وربما ذم الشاعر رجلا بما ليس فيه لأنه لم يعطه شيئاً، فالذم لا يخلو من البهت والظلم، أما صاحب البيت فخلاه ذم، لأنه لا يمدح الرجل إلا بعد التجربة، ولا يذم إلا من يستحق ذلك، هذا منهجه وطريقته، ونعم المنهج والطريقة، وهو النجاشي الشاعر واسمه قيس بن عمرو بن مالك، من بني الحارث بن كعب، وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وشاعره، يكنى أبا مخاشن وأبا الحارث وهو القائل:
” إني امرؤ قلما أثنى علي أحد
حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر
لا تمدحن أمراً حتى تجربه
ولا تذمنّ من لم يبله الخبر”.
عاش هذا الشاعر عمراً طويلاً، سأله معاوية بن أبي سفيان في خلافته: ” من أعز العرب”؟ قال: “رجل مررت به يقسم الغنائم على باب بيته بين الحليفين أسد وغطفان”، قال: “من هو”؟قال حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري، وهذه القصة تدل على أن النجاشي الشاعر عاصر الجاهلية والإسلام، روي أنه هجا بني العجلان وقال:
” إذا الله عادى أهل لؤم ورقة
فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل”.
فضجروا من هجائه، وسبوا به ثم استعدوا عليه عمر بن الخطاب وقالوا:
” يا أمير المؤمنين هجانا”، فقال:”وما قال”؟ فأنشدوه:
“إذا الله عادى أهل لؤم ورقة
فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل”.
فقال لهم عمر:”إنما دعا عليكم، ولعله لا يجاب”! فقالوا: إنه قال:
“قبيلة لا يغدرون بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل”.
فقال عمر: “ليتني من هؤلاء” (أوقال)”ليت آل الخطاب منهم”، فقالوا: “يا أمير المؤمنين، إنه يقول:
” ولا يردون الماء إلا عشية
إذا صدر الوراد من كل منهل”.
فقال عمر:”ذلك أقل للسكاك”(الزحام) قالوا:”فإنه يقول أيضاً”:
“تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
وتأكل من كعب بن عوف ونهشل”.
فقال:”كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه”، قالوا: “فإنه يقول”:
وما سمي العجلان إلا لقولهم
خذ العقب واحلب أيها العبد وأعجل”.
فقال عمر:”كلنا عبد، وخير القوم خادمهم”.
فقالوا هجانا يا أمير المؤمنين!
قال: “ما أسمع ذلك”، فقالوا:”اسأل حسن بن ثابت”؟ فسأله: “هل هجاهم يا حسان”؟ فقال:”ما هجاهم ولكن سلح عليهم”! وكان عمر أبصر الناس بما قال النجاشي، لكن أراد أن يدرأ الحد بالشبهات، فأمر بسجن النجاشي، ثم هدده وتوعده إن عاد، والنجاشي هو القائل في علي بن أبي طالب:
“وأعلم بأن علي الخير من نفر
شم العرانين لا يعلوهم بشر”.
وهذا البيت ضمن قصيدة تعد أفضل شعره على الإطلاق أشار بها إلى معاوية بن أبي سفيان حيث يقول:
“يا أيها الملك المبدي عداوته
روئ لنفسك أي الأمر تأتمر
وما شعرت بما أضمرت من حنق
حتى أتتني به الأنباء والنذر
فإن نفست على الاقوام مجدهم
فابسط يديك فإن المجد مبتدر
وأعلم بأن علي الخير من نفر
شم العرانين لا يعلوهم بشر
نعم الفتى أنت إلا أن بينكما
كما تفاضل نور الشمس والقمر
وما أظنك إلا لست منتهيا
حتى يمسك من أظفارهم ظفر
إني امرؤ قلما أثنى على أحد
حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر
لا تحمدن أمراً حتى تجربه
ولا تذمن من لم يبله الخبر”.
قال البكري: “النجاشي الشاعر من أشراف العرب، وكانت أمه من الحبشة فنسب إليها، وقد ولد بنجران ثم جاء إلى الحجاز في خلافة عمر بن الخطاب، ثم نزل الكوفة في خلافة علي بن أبي طالب، وشعره سهل عذب له ديباجة، ضربه علي في شرب الخمر، فخرج من العراق إلى الشام، ودخل على معاوية بن أبي سفيان فطلب منه الأمان، فشاور معاوية مروان بن الحكم فقال له: لا تفعل، قال: إذا يقول في شعراً فتكون أنت أول من ترويه! فأمنه وأذن له بالدخول عليه، فدخل النجاشي عليه فاستصغره لأنه كان أعور قصيراً، ففهم النجاشي ذلك وقال له: يا أمير المؤمنين، إن الرجال ليست بجزر فتستسمن، وإنما المرء بأصغريه، قلبه ولسانه،أما قصة جلده حد الخمر فقد شربها النجاشي في أول يوم من رمضان هو ورجل يقال له أبو سمال الأسدي، فلما كان آخر النهار علت أصواتهما، فذهب رجل إلى علي بن أبي طالب، فأخبره فأرسل لهما قوما فأحاطوا بهما، أما أبو سمال فاستطاع الهرب، وأما النجاشي فأخذ وجاءوا به إلى علي فأمر به إلى السجن، ولما أصبح جلده ثمانين سوطا، وزاده عشرين، فقال النجاشي: أما الحد فقد عرفته، فما هذه العلاوة يا أمير المؤمنين؟ قال علي: لجرأتك على ربك، وإفطارك في شهر رمضان. ثم عقد العزم على الخروج إلى الشام فهجا أهل الكوفة وقال:
“إذا سقى الله قوما صوب غادية
فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا”.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله
* كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com