لا خوف على الأردن

0 33

أحمد عبد العزيز الجارالله

الاحتجاجات التي يشهدها الاردن منذ ايام ضد قانون ضريبة الدخل ورفع اسعار المحروقات، لا يمكن النظر اليها الا من زاوية واحدة، وهي حجم وطأة الازمة المعيشية التي يعاني منها، لكن لا بد من الاعتراف أن هذه الاجراءات تتماشى مع الاصلاحات الاقتصادية التي توافقت عليها الحكومة مع صندوق النقد الدولي، وتعتبر من ضمن الشروط الطبيعية لاعادة تنشيط الاقتصاد، وهي، رغم قسوتها، تصب في مصلحة الشعب.
في المقابل يسجل للحكم في الاردن تلك الشفافية التي تدار بها المؤسسات، لقناعة راسخة لديه ان الشعب هو مصدر السلطات، ولهذا جاءت دعوة الملك عبدالله الثاني “الحكومة ومجلس الأمة بشقيه، إلى قيادة حوار وطني شامل وعقلاني” للخروج من الازمة وعلى قاعدة ان: “ليس من العدل أن يتحمل المواطن وحده تداعيات الإصلاحات المالية”، وفقا لقول الملك.
في هذا المجال اتذكر حين عاد ونستون تشرشل اثناء الحرب العاملية الثانية الى شعبه، وطلب منه المساعدة في تحمل ظروف الازمة المعيشية، وقوله:” لن يكون لنا الا وجبة واحدة يوميا، وهذه الوجبة ربما تكون بيضة واحدة، وعلينا ان نتحمل”، لان القاعدة الثابتة في ادارة اي دولة هي ان الشعب مصدر ثروة الأمة.
للاسف ان هذا المفهوم مسحته الانماط السياسية للحكم التي رسختها الحركات الانقلابية في العالم العربي، لاسيما في عهد مصر عبدالناصر حين تحولت الدولة رب عمل وحيد، ورسخت الريعية بأبشع صورها، ما جعل المواطن يعمل على أساس أن رعاية الدولة له من المهد الى اللحد من دون ان يتحمل اي مسؤولية حق مطلق له.
هذا النموذج ساد في الكويت وكذلك في السعودية ودول خليجية اخرى، التي اضطرت حين بدأت تأثيرات الازمة المالية العالمية المستمرة منذ العام 2008 تظهر عليها الى فرض الرسوم والضرائب لتغطية العجز، وفي الوقت نفسه تراجعت معدلات الدعم التي تقدمها الى الدول الشقيقة ومنها الاردن، المعروف تاريخيا ان جزءا لا بأس به من اقتصاده يقوم على المساعدات الخارجية ولذلك سيتأثر بما يجري حوله، وهو ما اضطره الى اللجوء للبنك الدولي لسد احتياجاته، والجميع يعرف ان هذه المؤسسات لا تقدم المال بلا شروط لضمان اصلاح الاقتصاد، واحيانا تكون شروطا مجحفة.
لا شك ان الحكمة التي يتعاطى بها الملك عبدالله الثاني مع ادارة هذه الازمة، اظهرت كأنه احد المحتجين بوجه الحكومة ومجلس النواب، ولذلك فهو حدد اسس المسار بالعودة الى الشعب من خلال حوار وطني شامل، وهو ما يجعل الكرة في ملعب الشعب الذي عليه ان يتفهم طبيعة المرحلة وحساسية الوضع الاقتصادي الدولي، لانه اذا اراد ان يطاع عليه طلب المستطاع، اما بغير ذلك فسيزيد الطين بلة باحتجاجات ومظاهرات وتخريب، اي انه سيكون كمن يطلق النار على قدميه، ولذلك على الاردنيين المحتجين التدبر بالآية الكريمة “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”.

You might also like