محبرة وقلم

“لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

ورد ضمن هذا البيت الرائع الشوق والصبابة، فما الشوق وما الصبابة؟
الشوق أيها السادة اسم مصدر «شاق» والجمع «أشواق» والمعنى: نزوع النفس الى الشيء وتعلقها به، قال ابن الأعرابي: الشوق حركة الهوى، وأنت لا تشتاق إلا لمن تحب، اذاً فالشوق جزء أصيل من أجزاء الحب، يقول سحيم عبد بني الحسحاس:
“أشوقا ولم يمض لي غير ليلة
فكيف اذا خبّ المطي بنا عشرا”؟
أما الصبابة فمعناها قريب جدا من الشوق، فاذا صب المرء الى حبيبته رق وأحبها حبا شديدا، اذاً الصبابة: الشوق ورقته، وهذا البيت عنوان الموضوع يدل دلالة واضحة على ذكاء شاعره حيث جمع الشوق والصبابة معا في بيت واحد، والحقيقة ان قلة قليلة من الناس يعرفون قائله، والكثير يعزوه بالخطأ لغير قائله، رغم كثرة المصادر، أيها السادة صاحب هذا البيت “الأبله العراقي” وهذا لقب له، اما اسمه فهو: محمد بن بختيار بن عبدالله، الشاعر المشهور، ذكره العماد في خريدته فقال: هو شاب ظريف يتزيا بزي الأجناد، حلو صناعة الشعر، رقيق الأسلوب، رائق البراعة، انشدني لنفسه سنة خمس وخمسين وخمسمئة للهجرة في بغداد:
“زار من أحيا بزورته
والدجا في لون طرته
قمر يثني معاطفه
بانة في ثني بردته
بت أستجلي المدام على
غرة الواشي وغرته”.
ولد هذا الشاعر سنة 486هـ، في خلافة المقتدي بأمر الله أبوالقاسم عبدالله بن محمد بن عبدالله «467-487هـ» الخليفة السابع والعشرين من بني العباس رضي الله عنه، كان هذا الشاعر على درجة كبيرة من الذكاء، لذلك قيل له الأبله بالضد، كما كان شعره رائجا موافقا للغناء، ومن غرر قصائده قوله:
“دعني أكابد لوعتي وأعاني
أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام يغرني
من بعد ما اخذ الغرام عناني
يصمي قلوب العاشقين بمقلة
طرف السنان وطرفها سيان
يا أهل نعمان على وجناتكم
تعزى الشقائق لا إلى النعمان”.
أما قصيدته المتضمنة بيت الشعر الذي ذكرته في البداية فهو ضمن ابيات فائقة يقول فيها:
“رضاك خير من الدنيا وما فيها
وأنت للنفس أشهى من تمنيها
الله أعلم أن الروح قد تلفت
شوقا إليك ولكني أمنيها
ونظرة منك يا سؤلي ويا أملي
أشهى إليَّ من الدنيا وما فيها
إني وقفت بباب الدار أسألها
عن الحبيب الذي قد كان لي فيها
فما وجدت بها طيف يكلمني
سوى نواح حمام في أعاليها
قالت قبيل العشا شدوا رواحلهم
وخلفوني على الاطلال أبكيها
إن كنت تعشقهم قم شد والحقهم
هذه طريقهم إن كنت تقفيها
لحقتهم فاستجابوا لي فقلت لهم
اني عبيدا لهذه العيس أحميها
قالوا أتحمي جمالا لست تعرفها
فقلت أحمي جمالا سادتي فيها
قالوا ونحن بوادي لا به عشب
ولا طعام ولا ماء فنسقيها
خلوا جمالكم يرعون في كبدي
لعل في كبدي تنمو مراعيها
“لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها”
ما يسهر الليل إلا من به ألم
والنار ما تحرق إلا رجل واطيها
ثم الصلاة على المختار من مضر
محمد سيد الدنيا وما فيها”.
وقد توفي الأبله البغدادي على ما ذكره ابن الجوزي واثبته ابن خلكان سنة تسع وسبعين وخمسمئة ببغداد في خلافة الناصر لدين الله، أبوالعباس، أحمد بن الحسن المستضيء بأمر الله «575 – 622هـ» ولا بأس أن احدثكم عن الخليفة القائم بأمر الله، والذي سميت باسمه مدينة القائم في العراق، هو ابو جعفر عبدالله بن القادر بالله أحمد بن اسحاق بن جعفر بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي «بن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما» ولد عام 391 هـ ببغداد، وتولى الخلافة بعد وفاة أبيه القادر بالله سنة 422 هـ، وصفه ابن الاثير بأنه كان جميلا مليح الوجه، أبيض مشربا حمرة، حسن الجسم، ورعاً دينا زاهدا عالما، قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصدقة، صابرا مؤثرا للعدل والاحسان، حريصا على قضاء حوائج الناس، له عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة.
قال الخطيب البغدادي: لم يزل القائم بأمر الله مستقيما إلى أن قبض عليه سنة 445 هـ ثم اطلق سراحه وعاد الى خلافته بمعونة السلطان “طغرلبك” ولما احس بدنو اجله استدعى حفيده وولي عهده “عدة الدين أبي القاسم” عبدالله بن محمد بن القائم وجدد له البيعة من بعده، ثم توفي ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان سنة سبع وستين واربعمئة عن اربع وتسعين سنة، وثمانية اشهر وثمانية ايام، ومدة خلافته اربع واربعون سنة وثمانية اشهر، وخمسة وعشرون يوما، ولم يبلغ أحد من العباسيين هذه المدة.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com