لا يهودية إسحاق و لا إسرائيلية يعقوب (الحلقة الأولى)

0 13

باسل محمد

في العالم العربي، بعكس الغرب المسيحي ،يجب أن نفرق بين الإسرائيلية القبيحة السيئة و الإسرائيلية الجميلة لسبب وجيه ،وهو ان العرب أدرى من غيرهم في موضوع بني اسرائيل الذين ورد ذكرهم بالقرآن، في مرات عدة.
طبعاً، البعض اتخذ من ذكر بني اسرائيل في القرآنيات، دليلاً على أنهم كانوا موجودين ويحق لهم احتلال فلسطين و إقامة دولتهم فيها ، وهذا الاعتقاد بدأ يتسلل الى كثير من قناعات دول سياسية عربية ووسائل تواصل عربية في السنوات الأخيرة ،و أقصد سنوات الإرباك الحاصل في بنية العالم العربي أمنياً و سياسياً و اقتصادياً ، لأن الإرباك بظروف الحياة يؤدي الى تبني قناعات جديدة و تغيير قناعات سابقة ،،وهذا جزء من الضغط النفسي على القيم.
المهم السؤال التالي : لماذا بدأ السياسيون في دولة اسرائيل بفلسطين، في الفترة الأخيرة، محاولةً لاعتبار اسرائيل دولة يهودية وهي أحد بنود ما يسمى صفقة القرن للرئيس الأميركي دونالد ترامب /وهي أحد شروط السلام الفلسطيني -الأسرائيلي؟
بالتفاصيل، منذ العام 1948، تاريخ تأسيس دولة اسرائيل، كان الموضوع برمته يتعلق بمفهوم اسرائيل و شعب اسرائيل، ولم تطرح يهودية الدولة ،رغم أن قرار التقسيم في الأمم المتحدة أشار الى دولتين بفلسطين: يهودية و عربية ،ولم يقل اسلامية أي أن اليهودية شعب.
لجهة العالم الغربي المساند لإسرائيل، فقد استند في تعاطفه على فكرة أن اسرائيل دولة ديمقراطية وليست دولة دينية يهودية .اليوم استدرك الإسرائيليون المحتلون لفلسطين هذا اللبس في التسمية ، فحسب التاريخ، يوجد محطتان رئيستان لفهم اسرائيل: النبي اسحاق وابنه النبي يعقوب ،وكلاهما عاش بمنطقة أور في دولة بابل جنوب العراق ،حسب سفر التكوين في التوراة اليهودية ، أي أن مصدر مكانهما اليهود أنفسهم .
في الوقت الحالي، يعتقد السياسيون الإسرائيليون أن ربط دولتهم بالنبي يعقوب ربما يكون فيه خطأ أو نقطة ضعف في الحجة السياسية و القانونية لأن يعقوب لم يكن دولة و لا شعبا ،بل هو تشكيل اشبه بالعائلة أو القبيلة الصغيرة ،وهو جزء بسيط من دولة وشعب كبير في بابل ، و لذلك هم يسعون الى إحياء فكرة اليهودية التي ارتبطت بالنبي اسحاق، وهو احد ابناء النبي ابراهيم، واسحاق هو أخ للنبي اسماعيل ، ليس شقيقه لأنه من أم أخرى.
في الحسابات الإسرائيلية، العرب ينحدرون من اسماعيل ،وهم شعب، وبالتالي ربط وجود اسرائيل بالنبي اسحاق يعني أن الإسرائيليين مثل العرب ، أيضاً شعب .
في الحقائق التاريخية التي ذكرها سفر التكوين و بالتوراة و القرآنيات فيما بعد، لا اسحاق و لا ابنه يعقوب كانا شعباً و لا اسماعيل كان شعباً ، هما سلالة من صفوة شعوب اختارها الله لتكون من الأنبياء .
بالنسبة للنبي يعقوب ،على سبيل المثال لا الحصر، كان عبارة عن أفراد لا يصل عددهم الى 100، وكانوا يعيشون في منطقة أور بالعراق، وتخضع لإدارة ،و يوجد فيها شعب من السومريين و البابليين و الأكديين الذين ينحدر منهم العراقيون اليوم.
الأهم، سواء ، اسحاق أو يعقوب ، كلاهما كان أقلية من شعب موجود ودولة موجودة في حضارة بابل ،وبالتالي لا يمكن قياس الأقلية على أنها شعب ،وهذا أمر بالغ الأهمية في التفكير الإنساني و السياسي للدول الحديثة ،لأن اعتبار الأقلية شعبا معناه تفتيت الدول القائمة الى دويلات لا حصر لها ،وقد تبقى الدول الجيوسياسية الحالية تتفكك اذا قسنا مفهوم الدولة و الشعب على الأقلية.
في موضوع فلسطين بالتحديد، النبي يعقوب هو نقطة الشروع الرئيسة في فهم دولة اسرائيل في الوقت الحالي ، فيعقوب كان في أور وغادرها طواعية بطلب من ابنه النبي يوسف الذي كان عزيز مصر في حكم دولة الفراعنة ، أي أن يعقوب عاش بمصر مع عدد من أفراد عائلته في دولة كبيرة يسكنها شعب كبير، كما هو الحال عندما كان يعقوب يسكن في أور وفيها شعب ودولة كبيران ،أي العراق الراهن أو بلاد ما بين النهرين أو بلاد بابل في التاريخ.
مع مرور مئات السنين، ظهر حكام فراعنة جدد ، فاضطر بنو اسرائيل، أي بني يعقوب ،الذين سكنوا مصر في زمن النبي يوسف الى ترك مصر مجبرين مع النبي موسى ، و عبروا الى فلسطين الحالية عبر سيناء متجهين الى
منطقة حول القدس الحالية، وكانوا ايضاً أقلية لأن
في فلسطين كان فيه شعب وهو أكثرية يسكنون هذه الأرض عندما حضر اليها بنو موسى وهم أنفسهم بنو يعقوب .
بمعنى، كل رحلات بني اسرائيل من اسحاق الى يعقوب الى موسى تتضمن حقيقتين: (1) بنو اسرائيل هم اقلية في المنطقة يتحركون فيها و يعيشون بين أغلبية سكان. (2) الأقلية لا يمكن أن تلغي الأغلبية لأن ذلك يسمى في الثقافة الإنسانية الحديثة، استبداداً و طغياناً.
بدليل منهجي آخر، كان بنو اسرائيل الذين أتوا الى فلسطين في الأربعينات من القرن الماضي من بقاع العالم وأسسوا دولتهم، كانوا يعيشون منذ آلاف السنين في أوروبا و مناطق أخرى من الدنيا ،و لم يؤسسوا فيها دولة ،ولم يفكر أي واحد منهم في بناء دولة في روسيا أو بولونيا أو اي بلد آخر لأنهم كانوا اقلية وجزءًا من أغلبية سكان وشعب ودولة.
ان تحويل أقلية الى شعب ورفض أن تكون الأغلبية هي الشعب ، هي الفكرة الأخلاقية التي تستحق من الإنسانية تأملها بحب .
إعلامي و باحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.