لا يهودية اسحاق و لا إسرائيلية يعقوب (الحلقة الثانية)

0

باسل محمد

القاعدة التاريخية و الأخلاقية تقول:لا يمكن اقامة دولة استناداً الى الأنبياء و الرسل، كما فعل بنو اسرائيل في فلسطين، لا يمكن تصور ذلك لأننا لم نشهد طيلة التاريخ البشري العميق، قيام دول أخرى على أساس النبوة مثل الدولة المحمدية أو الدولة النوحية أو الدولة الإبراهيمية أو الدولة اليسوعية.
ايضاً، لا يمكن اعتماد المسار الجيوتاريخي لبني اسرائيل من اسحاق الى يعقوب انتهاءً بموسى، كأساس لبناء دولة،لأنه وفق هذا المسار، على بني اسرائيل الذين تنقلوا من اور الى مصر بزمن عزيز مصر النبي يوسف،وهو ابن يعقوب،وصولاً الى فلسطين برحلة النبي موسى، أن يقيموا دولتهم التي استندت الى أنبيائهم في الدول الثلاثة،ولذلك من غير المنطقي اعتبار مسار التحرك هذا، حجة قانونية أو تاريخية لإقامة دولة،لأنه كما اشرنا في الجزء 1 من هذا المقال: القاعدة هي أنه في كل هذه المسارات الجيوتاريخية لبني اسرائيل كانت هناك شعوب ودول قائمة وكبيرة وعظيمة في بلاد النهرين ( العراق الحالي) و بلاد النيل ( الفراعنة) انتهاءً بأرض فلسطين الحالية التي سكنها البليستينيون ( الفلسطينيون) والكنعانيون قبل أن يصبحوا شعباً واحداً قبل قدوم بني اسرائيل مع موسى. بمعنى، لا يجوز تجاهل سكان هذه المسارات الجغرافية الثلاثة التي يشكل سكانها الأغلبية الساحقة ثم يمنح بنو اسرائيل دولة بكل هذا الامتداد الجغرافي المترامي الأطراف وهم اقلية.
السؤال: كيف سيسكنونها وكيف سيديرونها وهم بهذا العدد القليل في مساحة جغرافية هائلة وبين شعوب بأعداد كبيرة تسكن المنطقة؟
ان اعتماد النظرية الأسرائيلية على معيار النبوة في اقامة دولة اسرائيل سابقة لم يسبقهم أحد فيها منذ نشأة الأرض و هبوط ابي البشرية آدم وأم البشرية حواء عليها.
القاعدة الأخلاقية و التاريخية الثانية: أن الأنبياء ليسوا شعباً، هم سلالة صفوة من شعب ما يختارهم الله للنبوة، بمعنى أن بني اسرائيل في اعتمادهم على مرجعية النبوة في تشكيل الدولة يحاولون تجسيد فكرة السلالة الصفوة من البشرية التي تجمع بين النبوة والدولة، وهو ما عرف في التوراة، العهد القديم: الشعب المختار او الشعب الكنز أو الشعب المميز.
بمعنى، بنو اسرائيل في التاريخ الحديث يعتقدون أن الشعب المميز يستحق دولة،وهو ابتكار يتميز بفوقية أخلاقية و فوقية سياسية على بقية الشعوب.
النقطة المهمة في هذا الأطار، أن بني اسرائيل منذ النبي اسحاق ولغاية نهاية القرن التاسع عشر، أي منذ قرابة 4 آلاف عام لم يفكروا بهذه الفكرة،أي ربط النبوة بالدولة،ولم يسعوا قط الى تحقيقها خلال هذه الحقبة الزمنية الطويلة. و لذلك نسمي بني اسرائيل في هذه الحقبة بالإسرائيلية الجميلة التي كانت تبحث عن مكان عيش محترم وجميل بين شعوب و دول المنطقة الممتدة من اور الى مصر الى فلسطين الحالية، كما أن هذه الإسرائيلية الجميلة تعرضت في هذه الحقب التاريخية الى أذى، سيما من الفرعون الأكبر الذي كان يقتل مواليدهم الذكور، و كان يعتدي على نسائهم بحسب القرآنيات. و الدليل على أنها اسرائيلية جميلة، أن الله أرسل لهم نبياً ينقذهم من اذى فرعون.
اللافت، رغم كل هذا الأذى الذي تعرض له بنو اسرائيل، لم يبرروا لأنفسهم في حينها، اقامة دولة على اساس النبوة،وبقوا ملتزمين بالعيش بين شعوب أخرى في دول أخرى في شتات جميل لا نظير له.
بالنسبة لتيودور هرتزل ( الذي ينتمي الى بني اسرائيل) هو مؤسس الإسرائيلية السياسية أو الإسرائيلية القبيحة نهاية القرن التاسع عشر، اي تحويل بني اسرائيل من سلالة نبوة الى دولة عن طريق السياسة و العلاقات السياسية الدولية،و هذا ما نجح به مع البريطانيين،وفيما بعد مع الولايات المتحدة كقوتين سياسيتين عظيمتين.
في موضوع الاستخدام السياسي، العرب والفلسطينيون لم يكونوا بذكاء هرتزل،اي تحويل قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين الى مرجعية وحجة قانونية لتأسيس دولة فلسطين،ثم خوض الصراع العربي الإسرائيلي بوضع أفضل. للعلم القرار على عيوبه تحدث عن تقسيم فلسطين الى دولتين،و اشار الى الانتداب البريطاني لفلسطين،و لم يشر الى بني اسرائيل و لم يتحدث عن تقسيم أرض اسرائيل التاريخية،كما روج لها مؤسس الإسرائيلية السياسية، هرتزل وهي نقطة قوة للعرب و الفلسطينيين في غاية الأهمية،لأن القرار كان يتحدث عن تقسيم أرض فلسطين.
كما أن التقسيم، على مراراته كان فرصة لكي يذهب الفلسطينيون و العرب الى انشاء دولة عربية اسمها فلسطين،بموجب قرار التقسيم الصادر عن منظمة دولية يعتد بها،لأنه ما معنى اعلان دولة فلسطين بموجب قرار الأمم المتحدة بالتقسيم؟ الجواب: مثل أرض لم تسجل في السجل العقاري باسم صاحبها و بقيت مشاعة ثم جاء من حصل عليها، وتحولت هذه الأرض الى أرض متنازع عليها. الدولة مثل السجل العقاري وكان من الذكاء، تحقيق الغاية السياسية من قرار التقسيم بإعلان دولة فلسطين على الجزء الذي حدده التقسيم و تسجيل الدولة بالأمم المتحدة بموجب قرار صادر عنها في العام 1947.
في حال تم ذلك، اي اجتياح اسرائيلي لدولة فلسطين المعلنة بموجب قرار التقسيم فيما بعد،كان سيعتبر تعدياً على دولة أخرى، وبالتالي أي اراض محتلة لن تكون متنازعا عليها وتسوى بالتفاوض والصفقات السياسية كما هي الحال اليوم.
فالفلسطينيون أو الأردنيون الذين كانوا يديرون الضفة الغربية والقدس الشرقية، وحتى المصريون الذين كانوا يديرون قطاع غزة لم يكونوا جميعا بذكاء مؤسس الإسرائيلية السياسية تيودور هرتزل الذي حول النبوة و سلالة الصفوة الى دولة،في حين فشل هؤلاء جميعهم في تحويل القرار الدولي للدولة الى دولة.
إعلامي وباحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

اثنان × اثنان =