لبنان … القراصنة يُغرقون السفينة

0 376

في القمة الاقتصادية والتنموية العربية الهزيلة التمثيل التي عقدت في العاصمة اللبنانية إشارة واضحة إلى حسرة العرب على بلد كان في يوم ما رئة الحرية العربية، ومركز صحافتها ومطبعتها، وخزينتها، لكنه تحول مزارع متقاتلة، كل صاحب مزرعة يرمي التهمة على الآخر، ما أسقط لبنان في وحل التجاذبات الطائفية والافق الضيق، وكأن كل ما عرفناه عن هذا البلد كان حلماً هوى حين انتبهنا الى سكاكين أبنائه يحزون بها رقاب بعضهم بعضا بتفاخر، أين منها الجاهلية الاولى؟
لهذا من سيقرأ تاريخ لبنان السياسي بعد سنوات، سيجد صفحات سودا، كتبت بحبر الحقد والجهل والطائفية المقيتة، التي لم يسبق ان شهدها بلد عربي قبل بدعة الاحتراب على الخراب، بعدما تحول المنتجع العربي محجرا صحيا لكل مصاب بمرض معدٍ، لا يماثله الا العراق الغارق بالصراعات الطائفية التي زرع بذارها نظام الملالي، وها هو السودان يسير على الطريق ذاته اليوم.
حين نتحدث عن لبنان، يغمرنا الأسى على ما كنا نعتبره ملاذا، غير اننا اليوم نرثي لحال اللبنانيين الفقراء الغارقين باليأس مما ورثهم إياه زعماء لا يرون في بلدهم غير بقرة حلوب، حتى لو جفّ ضرعها، فانهم يتقاسمون لحمها الحي، إلى أن أصبح الدين العام 95 مليار دولار، أي أن نسبته وصلت الى 150 في المئة من الناتج القومي للبلد.
هذه الديون تحولت ثروات للزعماء، يدفع ثمنها اللبناني، بينما يتقاسمها قادة الميليشيات والزعماء، الذين يعطلون منذ بضعة اشهر تشكيل الحكومة لاختلافهم على حصص النهب من اللحم الحي اللبناني، خصوصا بعد إقرار مؤتمر باريس الأخير 12 مليارا، وهي بطبيعة الحال لن يستفيد المواطن العادي منها شيئا لأنها ستذهب الى جيوب السياسيين.
عندما يكون هناك ثلاثة ملايين مواطن هاجروا من بلدهم هربا من فقر يتسبب به الزعماء، فيما 35 ألف شاب يتخرجون سنويا في الجامعات ولا يجدون عملا، فإما أن يهاجروا أو أن يرزحوا تحت وطأة البطالة والعوز، فأي وطن يبقى ليزعم الميليشياويون أنهم يدافعون عنه؟
بعد اتفاق الطائف استبشر اللبنانيون والعرب خيرا بمرحلة جديدة تعيد للبنان دوره، غير ان هذا الامل بددته المحاصصات الطائفية، واحتفاظ “حزب الله” بسلاحه سعيا الى ممارسة الضغط والترهيب على بقية المكونات طمعا في الاستفراد بالحكم وتحويله سلطة ديكتاتورية متأسلمة على غرار نظام ملالي طهران، علما ان التنوع مبرر وجود هذا البلد، وأي خلل في توازن مكوناته يعني نهايته.
رغم ذلك، مضت الميليشيا الملالوية في مشروعها الفتنوي وساندتها في ذلك حركة “أمل” بقيادة نبيه بري التي نبشت قضية مضى عليها الزمن، فهددت وتوعدت وأحرقت الأعلام الليبية رفضا لدعوة حكومة طرابلس الى القمة، وبذلك ادخل “الثنائي الشيعي” لبنان في غياهب عزلة عربية تفوق عزلته الدولية.
هذا السلوك الميليشياوي يعني أن بعد 28 سنة على انتهاء الحرب الاهلية لا يزال لبنان بلا سلطة دولة قادرة على ممارسة دورها الطبيعي، وما جرى في الشهرين الماضيين على الحدود مع اسرائيل واكتشاف أنفاق مخترقة على الحدود الدولية لا تفسير له إلا أن “حزب الله” يسعى الى حرب جديدة لا قبل للبنان على تحمل رد الفعل عليها، ففي كل الحروب الماضية كان هو الخاسر الأكبر، بينما ربح الايراني تثبيت وجوده، ونقل المواجهة الى غير أراضيه، وزاد قوة اسرائيل.
في ضوء كل ذلك، عن أي قمة يمكن أن نتحدث، عن أي اقتصاد أو تنمية؟ لبنان بات أشبه بأندلس مصغرة، فأمراء الطوائف أفسدوا كل شيء فيه، وما برحوا مثل القراصنة يتناحرون على قيادة سفينة كثرت فيها الثقوب وشارفت على الغرق.

أحمد الجارالله

You might also like