لبنان … انتخابات أم حرب أهلية؟

تجري في لبنان مطلع الشهر المقبل انتخابات نيابية يمكن القول إنها مفصلية من نواحٍ عدة، فهي لن تكون كسابقاتها، اذ بعد تسع سنوات على آخر انتخابات جرت وفق قانون تقاسم تركة السلطة والنفوذ بين قادة الميليشيات الذين خلعوا بذلات القتال وارتدوا الياقات البيضاء وربطات العنق للمرة الأولى منذ ربع قرن، استمروا في توزيع البلاد على مقاساتهم الميليشياوية ويستعدون اليوم لمواجهة انتخابات وفق القانون النسبي الذي قد يظهر الأحجام الحقيقية للقوى السياسية.
رغم كل العلل التي تكتنف هذه الدورة الانتخابية وأهمها: غياب النزاهة عنها وفق اجماع المراقبين إلا انها تمثل رعبا حقيقيا للجميع، وأولهم “حزب الله”، لأنها الاختبار الاول للقوى السياسية كافة في معرفة أحجامها، ولهذا فإن القمع الممنهج، المستتر والعلني، الذي تمارسه عصابة نصر الله على مناطق نفوذها وخارجها ليس إلا تعبيرا عن خوفها مما يمكن ان تؤول اليه النتائج صبيحة السابع من مايو المقبل.
يدرك جيدا قادة العصابة الإيرانية المسلحة ان اصوات الاحتجاج التي ارتفعت في بيئتها الحاضنة خلال السنوات الماضية واشتدت أكثر في الاشهر الاخيرة هي تعبير حقيقي عن قرف هذه البيئة من العسكرة المفروضة عليها، والموت المجاني لشبابها وأولادها الذين يُرمى بهم على الجبهات السورية والعراقية واليمنية، ولذلك تتعاطى هذه العصابة مع أي صوت معارض بقسوة بالغة، رأينا اقل اشكالها في الاعتداء على المرشحين المعارضين في أكثر من منطقة جنوبية، ناهيك باقفال مقارهم الانتخابية وحرق السيارات والتعدي عليهم شخصيا. لكن ذلك يبقى اقل مما تتعرض له قرى وبلدات بأكملها للقمع والعقاب الجماعي، كالتهديد بمنع الخدمات عنها، والضغط على أصحاب الحرف والمصالح الصغيرة لطرد المعارضين من أعمالهم، وصولا إلى الضغط على الطلاب في الجامعات لتخويف أهليهم من الخروج على إرادة الحزب وحليفته حركة “أمل”.
لا شك ان “حزب الله” يدرك تماما أن الفشل الإيراني في اليمن والعراق والبحرين يرتد عليه في لبنان حيث باتت القوى السياسية أكثر جرأة في التصدي له ولمخططاته، ولذلك يحاول جاهدا الحصول على أعلى نسبة من النواب، وبأي ثمن كي يقول للعالم: إن اللبنانيين انتخبوه وإن نوابه يمثلون هذا الشعب.
المشكلة الكبرى التي سيواجهها لبنان هي ان فوز هذا الحزب الإرهابي بغالبية كبرى، أو بسيطة، في البرلمان يعني العودة إلى الحرب الأهلية لأن القوى السياسية لن ترضى ان يقع لبنان تحت وطأة عقوبات دولية وحصار مالي واقتصادي بسبب تحكم الحزب بالسياسة الداخلية والخارجية للبلد، وفي المقابل إذا لم يحصل حزب الملالي على غالبية تؤهله حماية نفسه سياسيا في الداخل، فسيتحول إلى استخدام سلاحه لمنع البرلمان من ممارسة دوره، وشل السلطات كافة.
هذه المعادلة الصعبة التي ينتظر لبنان استحقاقها ربما كانت تحتاج إلى رقابة دولية صارمة على الانتخابات البرلمانية، ودعم القوات المسلحة اللبنانية بالامكانات كافة كي تمنع الحزب من اعادة هذا البلد الصغير إلى جحيم حرب أهلية.
ولهذا إذا كان “حزب الله” أو شريكته في الهيمنة على الطائفة الشيعية، حركة “أمل”، يريدان أن يبقى فعلا لهما مكان في الحياة السياسية فعليهما إما أن يقبلا بالمنافسة ويخوضا الانتخابات بنزاهة، وإما أن يستعدا لمواجهة اللبنانيين كافة، وفي كلا الحالين سيكون حسابهما عسيرا من الطائفة الشيعية نفسها لأن من دفع دما ليس كمن راكم ثروات من تلك الدماء.

أحمد عبد العزيز الجارالله