لبنان… حل حريري أو … كيُّ بالنار

وضع رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل سعد الحريري الأمور في نصابها الصحيح بحديثه الى قناة “المستقبل” في ما يتعلق بما يجب فعله في الأيام المقبلة لتفادي لبنان الأسوأ الذي دفعه إليه “حزب الشيطان” وتدخلاته بالشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، والكويت والبحرين واليمن، وانغماسه في الدم السوري والعراقي إلى اذنيه.
بعيدا عن التأويلات السمجة والممجوجة عن شكل الحديث وتقنياته، فان الرجل لم يغير خطابه اللبناني الصرف، وقد أكد الصدمة الايجابية التي أحدثتها استقالته المدوية، وبالتالي إذا كان هناك من دور فهو للذين أدخلوا لبنان في هذه الأزمة، وأحرجوا الرجل وفريقه السياسي الى حد إخراجه عن هدوئه ليعمل على معالجة وضع شاذ لا قبل لبلاده عليه.
فالحريري حدد خريطة طريق لا تقبل التأويل، وهي إما الذهاب الى اعادة ترتيب البيت الداخلي والنأي بالنفس عن احداث المنطقة الاكبر من لبنان، كما قال الرجل الساعي حقيقة الى تجنيب بلاده شرب الكأس المرة، او ذهاب تحالف دولي يجري اعداده بهدوء وبعيدا عن الاضواء الى آخر العلاج (الكي)، وهو لم يعد خافيا انه سيكون مشابها لما ادى الى اجتثاث “داعش”.
يخطىء، كالعادة حسن نصرالله، في حساباته عندما يستبعد الحرب، أو بالأحرى هو مجبر على ذلك للتخفيف من وطأة الصدمة ومحاولة امتصاصها، لكن الحقيقة أن عدة الحرب جاهزة، غير أن باب المعالجات السياسية لم يقفل، فلا الولايات المتحدة الأميركية التي لم تنس قتلاها المارينز في لبنان العام 1983، أو دول الاتحاد الأوروبي، ولا مجموعة دول أميركا اللاتينية أو الاتحاد الافريقي على استعداد لتحمل الارهاب العابر للقارات الذي يمارسه “حزب الله” بأوامر ايرانية.
أيضا لم يعد بمقدور دول”مجلس التعاون” وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية قبول العمليات الارهابية والتدخلات الاجرامية للحزب فيها، وكما قال الحريري:” صحيح أن السعوديين يحبون بيروت، لكن لن يحبوها أكثر من الرياض”، وتكرار هذه العبارة خمس مرات له دلالاته السياسية المفترض أن يفهمها جيدا نصرالله وبقية حزبه اذا كانوا فعلا يريدون المحافظة على الحد الأدنى من لبنانيتهم.
يدرك العرب جيدا، وغالبية اللبنانيين أن نصرالله ومنذ تأسيس حزبه، هدفه الأساسي جعل لبنان ولاية ايرانية، ولم يخف الحزب يوما سعيه الى ما يسميه دولة اسلامية على منهج الثورة الايرانية، أي إلغاء تعددية لبنان وجعل نظامه السياسي مستوحى من الدستور الايراني على مبدأ الحكم “الاثني عشري” الذي يضرب جوهر وجود هذا البلد، بل يفتح أبوابه على حروب اهلية لا تنتهي، ولذلك اذا كان تراجع الحزب في بياناته عن عدم ذكر هذا الأمر، الا أن ممارساته على الارض، وخطفه قرار الدولة كان يتجه الى تحقيقه من خلال استغلال المعطيات الجديدة في الحربين الاهليتين، السورية والعراقية، وتغير التركيبة الديموغرافية في كلا البلدين.
لا شك يعلم “حزب الله” أن غالبية المكون الشيعي اللبناني لا تؤيد هذا الهدف لانها لا تريد أن تكون وقودا في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهي من تدفع الثمن من أرواح أبنائها وارزاقها، وعلاقاتها ببقية المكونات اللبنانية، وليست ايضا بوارد تحمل عبء هزيمة المشروع الايراني في المنطقة، وفي لبنان، اي ان يكون الشيعة مواطنين من الدرجة الثانية نتيجة الفاتورة الكبيرة التي سيدفعونها لقاء مغامرات “حزب الشيطان”.
لذلك كله، فان الحريري “المسؤول عن كل المواطنين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم”، كما قال، اقدم على استقالة ليست وليدة لحظة انفعال، أو مغامرة مراهقة، انما مدروسة بكل كلمة تضمنها بيانها، وأكدها في حديثه، لانه يسعى الى منع حرب على بلده، صحيح سيعاقب فيها “حزب الله” لكنها في الوقت نفسه ستطال مختلف الشعب اللبناني، وهو ايضا لن يقف على رصيف الاحداث ينتظر ما يحدث لبلده، لان الواضح ان صدمة الاستقالة الايجابية لا تزال في بدايتها، ولا شك أن هناك عملا جراحيا سلميا سيتبعها، ربما يكون مشابها للتحرك السلمي الذي اخرج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، لا يتوقف قبل نزع سلاح “حزب الله” وسحبه من الدول التي يرتكب المجازر او يزرع الخلايا الارهابية فيها.
أحمد الجارالله