لبنان على مفترق مصيري

مهى عون

لا تزال الأحداث الدراماتيكية على الساحة السياسية في لبنان تتوالى فصولاً, وباتت من الخطورة إلى حد إمكان اعتبار الكيان اللبناني بصيغته المعهودة على مفترق تاريخي خطير في وجوده.
ولقد سبق لنا كلام مشابه إبان مناسبات حرجة أخرى من تاريخ لبنان القريب, إن في سياق تشكيل الوزارات أو توزيع المراكز والمواقع القيادية الحساسة في البلاد, التي كنا نشهد فيها الكثير من التجاذبات والتعثر والتأزم, إلا أن الوضع الحالي مختلف جذرياً عن كل ما سبق. وإذ يدرك الجميع اليوم, دولة وشعباً, هذا الواقع, وفي مقدمهم المعني الأول بمصير المسيحيين في لبنان, البطريرك بشارة الراعي, كون ما يحدث حالياً يصيب في المرتبة الأولى حقوق المسيحيين المكتسبة والمنصوص عليها في دستور الاستقلال, لا يبدو الأفق مبشراً بحلول جذرية حتى الساعة.
وإذ يغادر الرئيس ميشال سليمان قصر بعبدا في ظل عدم وجود البديل, يحل “فخامة الفراغ” في أرجاء القصر, مع كل ما يمكن أن يجره من ارتدادات على مستقبل البلاد من الناحيتين الأمنية والاقتصادية.
ويلح سؤالان في هذا المجال, الأول حول مراد “حزب الله” وحلفائه من وراء افتعال هذا الفراغ, عبر تعمد التغيب عن كل الجلسات التي عقدت لانتخاب رئيس جديد لتطيير النصاب البرلماني المطلوب. والثاني هل الهدف من عدم تبني “حزب الله” علناً أي شخص للرئاسة ولا حتى الجنرال عون, والاكتفاء فقط بالموافقة على ترشح الأخير, هو كي لا يضطروا للحضور الفعلي إلى مجلس النواب لتحقيق النصاب, وبالتالي إحداث الفراغ, تمهيداً لطرح مشروع ما يسمى “المثالثة” عبر مؤتمر تأسيسي من المنتظر أن يعلن عنه الأمين العام للحزب حسن نصر الله عبر اطلالته المنتظرة اليوم وهو يوم مغادرة الرئيس سليمان القصر بعبدا?
لا شك في أن البلاد مقبلة على جملة من المتغيرات على الصعيدين السياسي والشعبي يصعب التنبؤ بتداعياتها السلبية أو حصرها في المرحلة القائمة, اذ من غير المستبعد ضمن أهداف الحزب من طرح هذه “المثالثة”, والتي كان تكلم عنها حليفه والناطق باسمه الجنرال عون, من أن تكون كل الاحتمالات مفتوحة على نزاعات داخلية, سياسياً وشعبياً, ربما يعرف “حزب الله” بدايتها ولكنه حتماً لا تمكنه معرفة نهاياتها.
ولا بد من الإشارة إلى نموذج من هذه الخلافات ربما يطفو في المرحلة المقبلة من الناحية التشريعية, كون البلاد والمؤسسات سوف تدخل في فراغ تشريعي قد ينسحب على العمل الحكومي, بفعل توجه محتمل بشدة من وزراء النائب ميشال عون إلى الاستقالة من الحكومة التي ترث مجتمعة صلاحيات رئاسة الجمهورية, وبالتالي إفقادها هذه الصلاحيات, إضافة إلى مقاطعة النواب المسيحيين من الفريقين جلسات البرلمان, انطلاقاً من اعتبار أنه لا يجوز التشريع في ظل الفراغ الرئاسي, وهذا ما أكدته مصادر في قوى “14 آذار”, مشيرة إلى أن التوجه لدى النواب المسيحيين في “14 آذار” هو مقاطعة الجلسات التشريعية, إلا في الحالات الاستثنائية, فيما تؤكد في المقابل أوساط “حزب الله” ان نواب الحزب لن يقاطعوا الجلسات التشريعية, كذلك لن يقدم الوزراء المحسوبون عليه على الاستقالة من الحكومة, حيث قال الوليد سكرية أحد نواب الحزب, ان “لا علاقة للفراغ في الرئاسة الأولى بالعمل التشريعي, وسوف نشارك في الجلسات, سيما في جلسة البحث في سلسلة الرتب والرواتب”.
وبمناسبة كثرة الكلام عن “المثالثة” في وسائل الإعلام أخيراً, ورد تصريح للوزير السابق أدمون رزق يذكر بمضمون الفقرة 10 من مقدمة الدستور اللبناني التي تفيد بأنه “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”, شارحاً أن جوهر الميثاق قائم على توزيع المواقع بين المذاهب, أي رئيس الجمهورية ماروني ورئيس البرلمان شيعي ورئيس الحكومة سني, وعلى المناصفة في مجلس الوزراء بين الطائفتين المسيحية والإسلامية, إضافة إلى المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في وظائف الفئة الأولى, مع اعتماد معياري الكفاءة والاختصاص وعدم تخصيص أي وظيفة لأي طائفة… ومفاد هذا الكلام ان طرح المثالثة سيقضم من مكتسبات المسيحيين أولاً, والتي كان قد كرسها دستور الاستقلال لمصلحة المذهبين السني والشيعي.
في كل الأحوال لا يبدو ان هذا القلق المسيطر على الأجواء المسيحية, سيما أجواء البطريرك الراعي, بسبب حصول هذا الفراغ, يصيب أوساط “حزب الله”بالمقدار نفسه, بل على العكس من ذلك, نرى نوعاً من الارتياح وعدم القلق في صفوف قادة »حزب الله« والناطقين باسمه, كما والتابعين له من المتكلمين باسم التيار الوطني الحر,وكأن هذا الوضع, أي “الفراغ” الحاصل نتيجة لتعذر انتخاب رئيس جديد, كان هو الهدف المنشود, وكأن الجهود المبذولة من الحزب ومناصريه لتعطيل النصاب, كانت تصب من الأساس في سياق خدمة التوصل لهذه النتيجة, بغية طرح المشروع البديل, بيد ان ما من مؤشرات حقيقية تطمئن من ناحية متانة هكذا نظام جديد, في حال تمكن »حزب الله« من فرضه على الجميع بقوة الأمر الواقع. بمعنى أن الخيارات في حال فرضه لهكذا دستور قد تكون متشعبة, وربما خارج عن إطار قدرة الحزب على ضبط تداعياتها. وقد لا نبالغ إذا قلنا, ان هذه التداعيات قد تكون مفتوحة على مختلف الاحتمالات, ليس أقلها التفتيت والتفكك وربما التقاتل الأهلي على أساس طائفي ومذهبي.
أما المفارقة في حال طرح بديل “المثالثة” فهي تكمن في اختصار عون المسيحيين بشخصه الكريم من دون الوقوف على رأي باقي مكونات المسيحيين ضمن فريق “14 آذار”, كما أن اختصار الطائفة الشيعية ب¯ »حزب الله« وهو مغالطة أيضاً وغير قابلة للاستمرار في ظل رفض الفرقاء الشيعة الباقين لهكذا طرح إقصائي. فعن أي مثالثة يتكلمون وأي مؤتمر تأسيسي يمكنه أن يقوم في ظل هكذا معارضة من شريحة واسعة من اللبنانيين? وهو إن قام وفُرض بالقوة, أي بقوة السلاح, سيظل معرضاً للسقوط اللهم في حالة واحدة وهي الإطباق على كل ما له علاقة بالمواقع الأمنية ومواقع صناعة القرار بشكل نهائي فاقع, يليها عملية إغلاق الأفواه المعارضة عن طريق التهديد, أو بواسطة مذكرات مقاضاة على شاكلة تلك التي وجهت للصحافي فارس خشان ولزعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط من النظام السوري. في كل الأحوال هو مشروع يستثني مصير طائفة الدروز عن مجال صناعة القرار, ناهيك عن الحقوق بالمشاركة وهو ما يتعارض مع تشكيلة هذا البلد التاريخية, حيث الطائفة الدرزية شكلت على مدى القرون الماضية, جزءاً لا يتجزأ من تاريخ لبنان. في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن السعي لوضع لبنان في موقع الإقامة الجبرية, مغامرة فاشلة من أساسها, لأن ما يقوم على باطل فهو باطل, والظلم مستحيل إتمامه في بلد تعود على حرية الرأي والتنوير في حمل الكلمة والفكرة والموقف.
* كاتبة لبنانية

Print Friendly