لبنان والكويت صداقة والتزام وضمانة

0 104

د. ميشال الشمّاعي

 

[email protected]

 

من الخصائص التي ميّزت وجود لبنان في منطقة الشرق الأوسط هي تفاعله الجيوبوليتيكي مع محيطه، وقدرته على الاختراق الحضاري في شعوب الجوار. مقابل ذلك عرف الكويتي بحسن ضيافته ومعاملته لأيّ وافد إليه يحترم حضارته، وقوانينه، وشعبه. وهذا ما شكّل نقطة التقاء بين الشعبين حتّى صارت الجالية اللبنانيّة في الكويت تحظى برصيد معنوي كبير لدى السلطات الكويتيّة؛ ولم تشكّل يومًا أيّ مصدر لمشكلات ما مع السلطات المحليّة.
ممّا لا شكّ فيه أّنّ العلاقات التي نسجها اللبنانيّون مع فعاليّات الكويت، لا سيّما مع السفراء المعتمدين، هي التي أعطت هذه الصورة الجميلة عن لبنان تجاه السّفراء، وذلك بحسب ما قاله لنا سعادة السفير الدكتور جان معكرون، القائم بأعمال سفارة لبنان في الكويت سابقًا. وهذا ما يجب التوقّف عنده حيث يشكّل السلك الديبلوماسي شبكة أمان لأيّ جالية في بلد الانتشار، لقد أمّنت السفارة اللبنانيّة دعامة كبيرة للبنانيين الذين تمكّنوا بدورهم من نسج شبكة من العلاقات وفّرت لهم الاحترام الكافي، فاستطاعوا الانخراط الفاعل والايجابي في الحياة الكويتيّة بمباركة سفارتهم. فتميّزت الجالية عن غيرها من الجاليات.
كذلك ساعدت السفارة في إنشاء»مجلس الأعمال اللبناني» الذي ساهم كثيرًا بمساعدة ما لا يقلّ عن ألف عائلة لبنانيّة من الذين تضرّروا من أزمة «كورونا»، فضلا عن تبرّع رجل الأعمال مايك شاهين، عضو المجلس، بمبالغ لمستشفيات بعبدا والبترون في لبنان، كذلك تنظيمه أنشطة اقتصاديّة مع غرفة التجارة والصناعة اللبنانيّة، ونسج علاقات مع تجار لبنانيين في لبنان والكويت على السواء.
ولا بدّ من الاشارة هنا إلى أنّ اختيار رئاسة هذا المجلس أتت على أساس الكفاءة، وليس المعايير الطائفية المعتمدة في لبنان، حيث اختِيرَ السيّد علي خليل رئيسًا، فنسج بفضل علاقاته الكويتيّة أفضل العلاقات بين الجالية اللبنانيّة والمجتمع الكويتي، واستحصل على مساعدة للصليب الأحمر اللبناني. كما تمّ تأسيس»مجلس الأمناء» الذي ضمّ المتقاعدين، إضافة إلى كلّ الشخصيّات التي لها تاريخ عريق في الجالية اللبنانيّة، و»مجلس السيدات اللبنانيّات» أيضًا، برعاية السفارة؛ حيث وزّع هذا المجلس مساعدات غذائيّة وأدوية على الجالية في أزمة «كورونا»، إضافة إلى النشاطات الثقافيّة والاجتماعيّة والمساعدات الانسانيّة.
إلى ذلك كلّه، يفضّل الكويتيّون كرم الضيافة اللبنانيّة ويعتبرون طبيعة لبنان مكمّلة لما تفتقده طبيعة وطنهم الغالي من حيث الجغرافية والمناخ. فيرون بلبنان وطنًا مكمّلا للكويت.
كذلك تتمتّع هذه الدّولة بميّزات جيو-سياسيّة مكّنتها من نسج علاقات مع محيطها بعد تجاوزها كلّ المآسي التي عانتها، معتمدة نهج الاعتدال والوسطيّة تجاه الأزمات التي تمرّ بها المنطقة، وبفضل هذه السياسة الحكيمة اكتسبت دولة الكويت مكانة لدى دول محيطها. كما تمكّنت من تأدية دور الوسيط بين الأطراف جميعها لإيجاد التسويات والحلول للمشكلات، لا سيّما بين إيران والسّعوديّة بشأن أزمة اليمن؛ وبين قطر والسعوديّة إضافة إلى إعادة اللحمة الخليجيّة بين دول الخليج لتتمكّن من تأدية الدّور الفاعل الايجابي في المنطقة. وفي هذا السياق لا بدّ من الاشارة إلى الدور الذي مارسه سمو الأمير الاحمد صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي تمّ تكريمه من قبل الأمم المتحدة بلقّب أمير الانسانيّة. وهنا التقارب بين الدّورين اللبناني والكويتي، فلبنان هو وطن الرسالة، كما أعلنه قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني في العام 1997، يتكامل مع الدّور الريادي الذي تتميّز به دولة الكويت في سعيها إلى السلام العالمي. من هذا المنطلق، يجب إحياء روابط الصداقة اللبنانيّة– الكويتيّة كلّها لما في ذلك من خير للبلدين. كما يجب العمل دائمًا على تمتين أواصر الالتزام العضوي بين البلدين انطلاقًا من الدّور الريادي المشترك الذي من الممكن أن يؤدّياه معًا في حال تظافر الجهود كافّة، وهنا لا بدّ من الاشارة إلى أنّ الدور الذي فقدته دولة الكويت في لبنان نتيجة للسياسات التهجّميّة التي صارت نهجًا للسلطة السياسيّة الحاكمة في لبنان قد كبّد بلد الـ 10452 كيلومترا مربعا خسائر كبيرة جدًّا، بدأت بالقطاع السياحي وما انتهت بالقطاع الاستثماري.
لكنّ السياسة الحكيمة تجاه دولة الكويت من قبل بعض السياسيّين اللبنانيّين مكّنت لبنان، بغضّ النّظر عن هويّته السياسيّة التي باتت مرفوضة من أكثر من نصف الكرة الأرضيّة اليوم، من الاستحصال على مساعدات من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصاديّة العربيّة لبعض المناطق التي شكّلت لها مدى حيويًّا للإستمرار الإجتماعي، في ظلّ ما يشهده لبنان من ظروف اقتصاديّة صعبة جدًّا، لم يشهد لها مثيلا يوم كانت علاقاته العربيّة سويّة وسليمة لا سيّما مع دولة الكويت. لذلك كلّه، تبدو اليوم ضرورة استعادة طبيعة العلاقات اللبنانيّة– العربيّة، واللبنانيّة- الدّوليّة حاجة ستراتيجيّة وحيويّة للبنان، بعد الانسلاخ اللبناني عن العرب والعالم نتيجة لتموضوعات السلطة السياسيّة الموجّهة من «حزب الله» وإيران في بلد الأرز.
وفي السياق عينه، تستطيع دولة الكويت أن تكون المثال في علاقاتها مع اللبنانيين الكيانيّين الذين يحترمون البعد العربي للبنان، انطلاقًا من احترامهم لدستوره وطبيعته الكيانيّة، وفلسفته الوجوديّة، فضلا عن كون هذه العلاقات مدى حياتيًّا- تكامليًّا، واجتماعيًّا واستثماريًّا لدولة الكويت أيضًا والعالم العربي على السواء.
من هنا، لا بدّ من البحث مع الخيّرين والحضاريّين والكيانيّين من لبنان لتمتين أواصر هذه العلاقات لأنّها ضمانة لاستمرار لبنان الرّسالة. وما قد يحقّقه لبنان والعالم العربي من بصمة حضاريّة في حضارة السلام العالمي، والكويت خير شريك للبنان في ذلك، سيعيد الدور الحضاري الذي أفقدوه للبنان. على أمل أن تلقى هذه الصرخة آذانًا تستجيب لها.

أستاذ جامعي لبناني

You might also like