لحظات تأمل وخلود إلى النفس والعقل شفافيات

0 123

د. حمود الحطاب

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة عنايته بنا في ليلنا ونهارنا، وفي قيامنا وقعودنا، وإننا إذا تدبرنا الحياة بكل دقائقها الممكنة الحاضرة في العقل في وقتها، وآمنا بالخالق الذي أوجدنا وأوجد كل موجداتنا، فلا بد أن يجنح الفكر في التأمل في هذا الموضوع البشري، الذي يفرض نفسه حين نتأمل خلقنا وحياتنا، وحينها يسأل المتأمل نفسه: هل يعقل أن يتركنا خالقنا من دون أن يتحدث الينا يوما، وأنه إذا أراد الخالق أن يخاطبنا ويتحدث إلينا؛ فعن أي شيء سيخاطبنا، وإذا أراد أن يوجهنا فإلى ماذا يريد توجيهنا؟
إذا جلسنا الى أنفسنا بعيدا عن يوميات الحياة وتكرار روتينها؛ أو في تجدد أحداثها وتغير أحوالها، أوفي هدوئها وضجيجها، أو في حضرها وسفرها، أو في قيامها وقعودها؛ فإننا إذا اختلينا الى عقولنا في لحظات صادقة وبصفاء ونقاء؛ في برهات خلوة تفكر وتأمل عميق في الخلق والخالق، والكون والحياة، والأحياء والانسان، وكل مخلوق ودابة وموجود، في السماوات أو الأرض؛ وأكثر من ذلك وأكثر… وأكثر؛ فسنجد أن خالقنا لا بد أن يكلمنا ويوجهنا ويستعرضنا في كل حياتنا، وفي دقائق أمورنا؛ وهذا اولا؛ وهو مهم للغاية أن نخلد في التفكير العميق اليه.
وإذا كلمنا سبحانه فلا بد أن يوجهنا الى الحق المبين؛ وهذا استنتاج من فرضيات ومعطيات ومقدمات ولا بد؛ وهنا يجوز لنا أن نتصور احجامنا البشرية، ونتصور كوننا ومجتمعات حياتنا، بكل مكوناتها وموجوداتها؛ إذا قدرنا أن نعيش هذه اللحظات من التصور والتأمل، من خلال عميق خبرات حياتنا وتعلمنا وعلومنا، وممارساتنا ونجاحنا وفشلنا وهدايتنا، وتوفيقنا في كل حركات حياتنا فسنجد الفكر المدرك لكل الأبعاد… الفكر المحايد في كل تفكير، والمتأمل لدقائق الأمور، سيدرك أنه سبحانه لن يكلمنا مباشرة، بل إنه من الطبيعي جدا أنه سيختار كفاءة من الكفاءات البشرية بهدف أن يوصل الينا مايريد منا… ما يريد من وجودنا وخلقنا وحياتنا، ومجتمعاتنا الإنسانية.
وسينقلنا بالحديث الينا الى عوالمنا الكبرى والصغرى؛ هذا مايقوله التفكر والتأمل حين يتجرد ويصفو؛ والأهم في نظري هو أنه حين يكلمنا فسيكلمنا ويخاطبنا ويوجهنا من خلال طبيعتنا، وأحوالنا، وظروف معيشتنا، ومن خلال أحداثنا وقصصنا، وحاضرنا وماضينا، وكل شيء مرتبط ببشريتنا وعوالمها، في قديمها وحديثها ومستقبلها، وفي عاقبتها ومآلها.
فهل الكتب السماوية حين نزلت على الأنبياء والرسل في صفائها ونقائها هل هي غير هذا، وأنها حين تتحرف بفعل عدوانية السلوك عند العدوانيين من البشر فسيتغير كل هذا التوازن والعلمية والطبيعية؛ لكننا إذا نظرنا للقرآن ،فهل القرآن الكريم غير الطبيعية في كل شيء، هل هو الا الطبيعية في مخاطبة البشرية ومعايشة كل أحوالها باجتماعية وفردية وعلمية وحاضرة وغيبية، هل هو غير هذا؟
إن حركة المعاني والموضوعات في القرآن هي في صلب حركة الإنسان، في كل مجالات حياته، حين يوحد الله وحين يشرك بالله، حين يؤمن وحين يكفر؛ حين يحب وحين يكره، حين يسالم وحين يحارب، حين يبحث عن الرزق، وحين يتاجر ويقيم ويسافر،و حين يتزوج ويتكاثر. حين يعدل وحين يظلم. حين يتحرر وحين يستعبد. حين يموت وحين يحيا. وماذا بعد الموت وماهي الحياة؟ هذا هو القرآن الكريم رسالة قريبة للبشر في أعماق بشريتهم تخاطبهم بتواضع وعظمة ورحمة وهداية وتوجيه من خلال معطياتهم، فهل ندرك هذا ونحن نتلو القرآن؟ إنها مجرد لحظات تأمل في صفاء وخلوة مع النفس في هدأة من منتصف الليل في عالم آخر من كون البشرية.

كاتب كويتي

You might also like