لذة التاريخ… في “دار حمد” بقايا خيال

0

يوسف عبدالكريم الزنكوي

شارع الخليج، أو الكورنيش الذي نعرفه اليوم، الممتد من مبنى مؤسسة البترول غرباً إلى المركز العلمي في السالمية شرقاً، لم يكن معروفاً حتى منتصف ستينات القرن الماضي، بل ولم يكن له وجود آنذاك. حينها كان يطلق على جزء منه “شارع السيف”، الممتد من قصر السلام غرباً إلى المستشفى الأميري شرقاً. في الجزء الجنوبي من شارع الخليج، والمواجه لمنطقة السالمية كان كثير من بيوت الكويتيين تطل على شاطىء البحر مباشرة، بمواجهة أمواج البحر، إذ لم يكن يحجز هذه الأمواج عن جدران هذه المنازل سوى مسنات صغيرة أو كتل صخرية ضخمة، حالها كحال كثير من بيوت الكويتيين في منطقتي جبلة وشرق. لهذا عندما شيدت مجموعة بيوت عائلة الحمد الكرام في منطقة السالمية في مطلع ستينات القرن المنصرم، كانت هذه البيوت ملاصقة لشاطئ البحر، وهو نفس الموقع الذي أنشئ مكانه اليوم مطعم “دار حمد”، الذي يقدم مأكولات كويتية تقليدية، مع تعديلات طفيفة على الديكورات الداخلية “للبيت العود” أو البيت القديم.
عندما دعاني أحد الأصدقاء لمأدبة غداء في “دار حمد” لم أكن حينها قد سمعت بهذا المطعم من قبل، ليس لعدم شهرة هذا المطعم العريق، ولكن لأنني لست من رواد المطاعم أو الأكل خارج المنزل، فقد رزقني الله بامرأة “كل إصبع يسوي شكل” من المأكولات الكويتية والعراقية والإيرانية والشامية والهندية، ولهذا لم أبحث عن أكلة شهية أو وجبة جيدة في أي مطعم، طوال العقود الخمسة الماضية، فلماذا أبحث وكل الأكلات الشهية متوفرة أمامي؟ لكن مع إصرار هذا الصديق ومديحه لهذا المطعم، نزلت من علياء عز أكلات “أم صلاح” من أجل “عيون النقرور” في “دار حمد”.
لم أتوقع أن أجد المكان مكتظاً، في يوم ليس نهاية الأسبوع، ولا هو فصل الشتاء أو الربيع حيث الطقس يدفعك قسراً للخروج من منزلك للتمتع بالأجواء الرائعة، بل هو صيف خانق، وحر حارق، فما الذي يدفع بهؤلاء الناس للخروج خلال ظهيرة صيفية؟ وما الذي يجذب هؤلاء إلى هذا المطعم، فإذا بأحد مسؤولي المطعم يزيد من غرابة الموقف عندما استقبلنا طالباً منا الانتظار قليلاً حتى تخلو إحدى الطاولات؟ ونحن سائرون في القاعة الرئيسية لـ”دار حمد” نحو مكان الانتظار، وأثناء ملامسة هواء التكييف البارد لوجهي، جالت نظراتي أرجاء الموقع، فشعرت براحة نفسية غريبة تنتابتني، وكأنني على موعد مع عزيز، حوائط بيت الحمد الزجاجية الكبيرة التي أحاطت بمعظم جوانب المكان، ومع إطلالة القاعة الكبيرة على حديقة المنزل وعلى شارع الخليج والبحر، تشعرك وكأنك تستمتع في الأجواء الربيعية بحديقتك الخاصة خارج القاعة.
هذا المكان بالتحديد،هو نفسه بيت الحمد الأصلي الذي بني أول مرة في أوائل الستينات.. عند انطلاقة العصر الذهبي لبلادنا. خلال تلك الحقبة الجميلة، كان هذا المنزل وبقية منازل عائلة الحمد، ومنازل أسر كويتية كريمة أخرى استقرت في هذا المكان، مثل أسرة الشيخ فهد السالم، والشيخ ناصر السعود الصباح وإخوانه، وعائلة الاذينة والحميضي والمقهوي والخالد والجلاهمة، وغيرهم كثيرون لا تسعفني الذاكرة على ذكرهم بكل الخير، ممن كانت بيوتهم تلامس رمال الشاطىء، وتداعب أمواج البحر مباشرة. هذا البحر الجميل فُصِلَ عن محبيه بامتداد “شارع الخليج” الذي نراه اليوم. في تلك الفترة عاشت أسرة الحمد داخل هذا البيت الكبير، ليشهدوا مع أحبتهم من الجيران كل لحظة حلوة من لحظات العصر الذهبي للكويت. ومن هنا رحبت أسرة الحمد بضيوفها، سواء كانوا من أفراد العائلة أو من الأصدقاء، لتعكس كرم ضيافة كل الكويتيين الأصيلين في أخلاقهم.
في مطعم “دار حمد” وإذ نحن نتناول “مطبق الزبيدي” الشهي ذا الرائحة التي “تبط الراس”، والطعم الذي يجبرك على الأكل بإحساس الجائع، لمحت سيدة جميلة تنتقل بين طاولات مرتادي المطعممن دون كلل ولا ملل، كنحلة تحوم بين زهور حديقتها. في البداية ظننتها مديرة المطعم، أو واحدة من مسؤوليها، حتى اقتربت من طاولتنا، لتعرف نفسها بأنها صاحبة المطعم، وأنها حفيدة صاحب المكان، وزوجة العزيز “أبي سارة”، الذي عرفته هو وشقيقه محمود في مدينة دنفر بولاية كولورادو الأميركية قبل أكثر من 42 عاما، وكانت لنا في جبال “الروكيز” أيام حلوة لا تنسى. قالت لنا أم سارة إنها تعودت أسلوب الترحيب بضيوفها بنفسها، لأشعرهم أنهم “أصحاب المكان”، ولولا هذا الترحيب الصادق لما كان “حضن الدار” المكتظ اليوم، يتسع لكل هذا الجمع الطيب.
كما أخبرتنا أم سارة أن أسرة الحمد كانت تجتمع في هذا “البيت العود” للاحتفال بشتى المناسبات، ولهذا تمسك بيت الحمد، كوفاء المخلصين بتقاليدنا الكويتية العريقة، ليكون “دار حمد” نموذجاً لتراث الكويتيين، وليقف هذا البيت شاهداً على كل اللحظات التاريخية الجميلة منذ استقلال دولة الكويت حتى يومنا هذا. ثم اختتمت حديثها الشيق معنا قائلة إن الطابق العلوي يحتوي على مكتبة صغيرة تحتضن كتبا قديمة، وقاعة اجتماع كبيرة تطل بكبرياء التاريخ على ساحل الخليج، بالإضافة إلى الحمامات.
لهذا، اخبرت مضيفي أنني أود التجول في الطابق العلوي بعد الانتهاء من وجبتنا، وكان لي ما أردت. هناك في المكتبة الصغيرة تخيلت المغفور له بإذن الله يعقوب يوسف الحمد وهو يسطر بعض فصول كتابه “”ماذا نريد من حكومة الكويت”، الذي طبعته “مجلة البعثة” عندما كان الراحل طالب علم في مصر. وفي البلكونة الكبيرة المطلة على البحر، تخيلت كيف وقف أفراد أسرة الحمد في هذا المكان ليشهدوا احتفالات الكويت بالسنة الأولى لعيد استقلال بلادنا، وذلك في مساء يوم الثلاثاء الموافق 19 يونيو من العام 1962، وليشهدوا أول احتفال بالألعاب النارية في الكويت، عندما أقيمت بالقرب من “أثل الخالد” القريبة من قصر الشعب، قصر الحاكم المغفور له بإذن الله الشيخ عبدالله السالم الصباح، وأذكر أن هذا القصر في تلك الحقبة الزمنية الرائعة، لم يكن يحيطه جدار ولا حرس أميري ولا يحزنون.
اعلامي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثمانية عشر + ثمانية عشر =