كلمات لا تنسى

“لسنا وإن أحسابنا كرمت يوماً على الأحساب نتكل كلمات لا تنسى

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

قبل أن أتحدث عن هذا البيت، عنوان الموضوع، لابد أن أذكر لكم أن الله عز وجل قال: (يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير)13 – الحجرات، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي علي عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا أبيض على أسود، ولا أسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب) رواه الإمام أحمد، من هنا أخذ المتوكل الليثي قوله:
لسنا وإن الأحساب كرمت
يوما على الاحاسب نتكل
نبني كما تبني أوائلنا
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
إنها حكمة وعظة، فلا تتكل أيها المرء، وكلنا هذا المرء على حسبك ونسبك وجاهك، ولكن أكمل مسيرة آبائك وأجدادك وسر على نهجهم، ولاتتواني وتقول: يكفيني ما صنع آبائي وأجدادي، لأنك إن تقاعست وتواكلت نسفت ما بناه لك أسلافك، وضيعت أمجادهم، وحاول أن تجعل لنفسك مجدا وعزا، فربما تفوقت عليهم، فمن هو هذا الشاعر الحكيم، ذكر الاصفهاني في كتاب الاغاني أنه: المتوكل بن عبدالله بن نهشل بن مسافع بن وهب بن عمرو الليثي، من شعراء صدر الإسلام، يسكن الكوفة، عاصر معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد ، ومدحهما، يكنى أبا جهمة، قدم الأخطل الشاعر الكوفة وجاءه المتوكل، وطلب منه أن يسمعه شعره، فقال له الأخطل: إني لخاثر يومي هذا!! فمن أنت؟ فأخبره المتوكل باسمه، فطلب منه الأخطل أن ينشده، فقال المتوكل:
للغانيات بذي المجاز رسوم
فببطن مكة عهدهن قديم
فبمنحر البدن المقلد من منًى
حلل تلوح كأنهن نجوم
لا تَنْهَ عن خُلُقِ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ
عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
والهم إن لم تمضه لسبيله
داء تضمنه الضلوع مقيم
فأعجب الأخطل بشعره فقال زدني، فأنشده بالمتوكل:
الشعر لب المرء يعرضه
والقول مثل مواقع النبل
منها المقصر عن رميته
ونوافذ يذهبن بالنصل
ثم قال المتوكل:
إننا معشرخلقنا صدورا
من يسوي الصدور بالأذناب
ولما انتهى من إنشاده، قال له الأخطل: ويحك يا متوكل!! لو نبحت الخمر في جوفك لكنت أشعر الناس، ومن جميل شعره قوله:
أنا الصقر الذي حدثت عنه
عتاق الطير تندحل اندحالا
رأيت الغانيات صددت لما
رأين الشيب قد شمل القذالا
روى الأصمعي أنه كان للمتوكل زوجة تدعى رهيمة، وتكنى (أم بكر) فسألته أن يطلقها، فقال لها: ليس هذا حين طلاق، فأبت عليه، فطلقها، وفي ذلك يقول:
طربت وشاقني يا أم بكر
دعاء حمامة تدعو حماما
فبت وبات لي همي نجيا
أعزي عنك قلبا مستهاما
خدلجة ترف قروب فيها
وتكسو المتن ذا خصل صخاما
أبى قلبي فما يهوى سواها
وإن كانت مودتها غراما
ينام الليل كل خلي همٍ
وتأبى العين مني أن تناما
أراعي التاليات من الثريا
ودمع العين منحدر سجاما
على حين أرعويت وكان رأسي
كأن على مفارقه ثغاما
سعى الواشون حتى أزعجوها
ورث الحبل فأنجذم انجذاما
فلست بزائل ما دمت حياً
مسراً من تذكرها هياما
ترجيها وقد شحطت نواها
ومنّتك المنى عاماً فعاما
خدلجة لها كفل وثير
ينوء بها إذا قامت قياما
مخصرة ترى في الكشح منها
على تثقيل أسفلها قياما
مخصرة ترى في الكشح منها
على تثقيل أسفلها قيامها
إذا ابتسمت تلألأ ضوء برقٍ
تهلهل في الدجنة ثم داما
وإن قامت تأمل من يراها
غمامة صيف قد لجت غماما
إذا تمشي تقول دبيب أيم
تعرج ساعة ثم استقاما
وإن جلست فدمية بيت عيدٍ
تصان ولا تُرى إلا لماماً
فلو أشكو الذي أشكو إليها
إلى حجر لراجعني الكلاما
وللمتوكل الليثي حكاية مع (عكرمة الفياض) قصة، وهو عكرمة بن ربعي التيمي، الذي عرف بالسخاء الشديد، حتى سمى جابر عثرات الكرام، إلا أن الإنسان ليس معصوما من الخطأ، روى صاحب الأغاني بسنده قال: أتى المتوكل الليثي عكرمة بن ربعي الذي يقال له الفياض، فامتدحه بقصيدة، فلم يعطه شيئا، فخرج من عنده غاضبا، فقال أصحاب عكرمة لعكرمة: جاءك شاعر العرب فحرمته. فقال: ما عرفته، وأرسل إليه بأربعة آلاف درهم فأبى أن يأخذها المتوكل وقال: حرمني على رؤوس الناس ويبعث بها إلي سرآً!! ثم بينما هو في الحيرة وقد رمد رمداً شديداً، إذا هو بقس يسأله عن حاله، فقال: رمدت، فقال القس: أنا أْعالجك، فقال: فافعل ، فبينما هو مستلق والقس يعالجه إذا بغلام يقول له: بالباب إمرأة تدعوك. فمسح عينيه وخرج إليها، فقالت له: بلغني أنك شاعر فأحببت أن تقول في شعرا، ثم سفرت عن وجهها فإذا هي الشمس طالعة حسنا، فقال لها: ما اسمك؟ قالت أمية، فنظر إليها مصعدا ومصوبا، ثم قال يذكرها ويهجو عكرمة الفياض وهي من أفضل شعره:
أجد اليوم جيرتك احتمالا
وحث حداتهم بهم الجمالا
وفي الأظعان آنسة لعوب
ترى قتلي بغير دم حلالا
أمية يوم دار القس ضنت
علينا أن تنولنا نوالا
أبيني لي فرب أخ مصاف
رزئت وما أحب به بدالا
ثم قال يهجو عكرمة الفياض:
أقلني يابن ربعي ثنائي
وهبها مدحة ذهبت ضلالا
وهبها مدحة لم تغن شيئا
وقولا عاد أكثره وبالا
وجدنا العز من أولاد بكر
إلى الذهلين يرجع والفعالا
أعكرم كنت كالمبتاع دارا
رأى بيع الندامة فاستقالا
بنو شيبان أكرم آل بكر
وأمتنهم إذا عقدوا حبالا
رجال أعطيت أحلام عاد
إذا نطقوا وأيديها الطوالا
وقد توفي هذا الشاعر سنة 85هـ، وبالنسبة لبيته المشهور:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
يوما على الأحساب نتكل
فقد جاء بعده عمر بن الوردي المتوفى 749هـ، فسار على نهجه وقال:
لا تقل أصلي وفصلي أبدا
إنما أصل الفتى ما قد حصل
وقد قال الإمام علي بن أبي طالب:
إن الفتى من قال ها أنذا
ليس الفتى من قال كان أبي

اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله
Mshal.Alsaed@gmail.com