“لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق” محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

الأرض لا تضيق بأهلها فهي شاسعة واسعة، إنما أخلاق الناس وطباعهم هي التي تضيق، ضيّق الله على من يضيق على الناس، هناك أناس تضيق أخلاقهم وصدورهم لأنهم يفتقرون الى السماحة، وفي ذلك يقول بشار بن برد:
ولا ضاق فضل الله عن متعفف
ولكن أخلاق الرجال تضيق
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق”، ومن الأبيات التي يتمثل بها قول عمرو بن الأهتم:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيق
بيت حكمة وواقع ملموس، صالح لكل زمان ومكان، والأجمل من بيت الشعر صاحبه، فهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال له لما سمع حديثه: “إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا” انه عمرو بن الأهتم واسم الأهتم “سنان” بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر التميمي، وله كنيتان: أبو ربعي، وأبو نعيم وهما ولداه، ومن قصة بيت الشعر أن زوجته عذلته على جوده وكثرة انفاقه، فلم يعجبه ذلك وقال:
ألا طرقت أسماء وهي طروق
وبانت على أن الخيال يشوق
ذريني فإن البخل يا أم هيثم
لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحطي في هواي فإنني
على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
وإني كريم ذو عيال تهمني
نوائب يغشى وزرها وحقوق
وكل كريم يتقي الذم بالقرى
وللخير بين الصالحين طريق
نمتني عروق من زرارة للعلى
ومن فدكي والأشد عروق
وفي ضيفانه يقول:
فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
فهذا صبوح راهن وصديق
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت
مقاحيد كوم بالمجادل روق
هذه بعض أبيات وشعر عمرو بن الأهتم يسمى: الحلل المنتشرة، وكان جميل الصورة للغاية حتى لقب “المكحل” لجماله، وكان شاعرا خطيبا شجاعا متكلما حاضر الجواب، ارتد عن الاسلام ثم عاود اسلامه، وقد لقب أبوه بالأهتم لأن قيس بن عاصم المنقري سيد أهل الوبر ضربه بقوس فهشم اسنانه، فصار سنان يدعى الأهتم، والأهتم في اللغة من انكسرت ثنايا أسنانه من الأصل، ولعمرو بن الأهتم شرف ورياسة وسؤدد وسيادة في الجاهلية والإسلام، وكان أبوه وجده من سادات بني تميم، عمر عمراً طويلاً وله ذكر وكفاية في فتوحات فارس، وفد على عمر بن الخطاب في خلافته هو والأحنف بن قيس، فأراد عمر أن يقرع بينهما في الرياسة، فلما اجتمعت بنو تميم قال الأحنف:
ثوى قدح عن قومه طالما ثوى
فلما أتاهم قال قوموا تناجزوا
فقال عمرو بن الأهتم: إنا كنا وأنتم في دار جاهلية، فكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، وإنا اليوم في دار الإسلام، والفضل فيها لمن حلم، فغفر الله لنا ولك. فغلب يومئذ عمرو بن الأهتم ووقعت القرعة لآل الأهتم فقال:
لما دعتني للرياسة منقر
لدى مجلس أضحى به النجم باديا
شددت لها أزري وقد كنت قبلها
لأمثالها مما أشد إزاريا
روى الطبري في تاريخه وابن كثير وغيرهما أن وفد تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمرو بن الأهتم سنة تسع، وهم وجوه بني تميم ومنهم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر، فأسلموا وكان أحدثهم سنا عمرو بن الأهتم، ففخر الزبرقان على الوفد وقال: يا رسول الله، أنا سيد تميم والمجاب فيهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك، يعني عمرو بن الأهتم. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد! فقال عمرو: وأنا أحسدك؟! فوالله إنك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض في العشيرة، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من البيان لسحرا” أو كما قال، ولما اعطاهم النبي جوائزهم كان عمرو بن الأهتم في ركابهم فقال لهم: “ما بقي منكم أحد؟” فقال قيس بن عاصم وكان بينه وبين عمرو بن الأهتم مشاحنة: لم يبق منا أحد إلا غلام حدث في ركابنا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم، فبلغ عمرا قول قيس فقال:
ظللت مفترش الهلباء تشتمني
عند النبي فلم تصدق ولم تصب
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم
والروم لا تملك البغضاء للعرب
فإن سؤددنا عود وسؤددكم
مؤخر عند أصل العجب والذنب
ذكرت بعض المصادر أن وفاة عمرو بن الأهتم كانت سنة 57 هـ، وقيل غير ذلك.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 × 5 =