لكل مشروع انفصالي… حجَّاج!

إذا كان القرن العشرون اعتبر بامتياز زمن الخيبات العربية التي بدأت مع معاهدة “سايكس- بيكو” و”وعد بلفور”، فإن القرن الواحد والعشرين لا شك سيكون عصر الانفصال وتشظي الدول، ليس على المستوى العربي فقط، إنما عالمياً، حيث العدوى انتقلت من كردستان العراق واليمن ووصلت اسبانيا والكاميرون، مروراً بأوكرانيا، وثمة أقاليم أخرى كثيرة في العالم تسعى إلى الاستقلال.
ما يعنينا كعرب في كل هذا منطقتنا، التي تعيش اليوم الذكرى المئة لمعاهدة “سايكس – بيكو” حين مزقت الأقلام الفرنسية والبريطانية عالمنا الصغير إلى دول لا تزال تعيش نزاعات الحدود وتتصارع على أطماع أنتجتها الرغبة بالاستيلاء والتوسع، كما حدث في العام 1990 حين ضرب صدام حسين عرض الحائط بكل المواثيق والمعاهدات العربية والدولية، ودفع بقواته إلى احتلال الكويت، وضمها إلى العراق، أو كما حدث في السودان الذي ذهب إلى الانقسام فيما القارة الأوروبية كانت تتوحد!
ربما يعتقد البعض أن الاستفتاء الانفصالي الكردي، وردود الفعل الغاضبة عليه أخمدت تلك الرغبة، أو بالأحرى أجلت إعلان الاستقلال، فيما الحقيقة أن هذه الخطوة شجعت الدول الساعية إلى تمزيق العراق على إكمال مخططها، لا سيما إيران التي لم ينس قادتها يوماً أن عراقاً قوياً ومتحداً يعني تهديداً دائماً للأحلام التوسعية الفارسية تحت شعارات مذهبية، وهو ما يتجلى حالياً بمحاولة جعل العصابات الطائفية التابعة لنظام الملالي نواة الجيش الانفصالي في الجنوب.
لهذا نسأل: هل التاريخ يعيد نفسه في بلاد ما بين النهرين اللذين لونهما الدم العراقي المسفوك على حدود الأقاليم المتصارعة؟
في القرن الأول للهجرة، حين تولى عبدالملك بن مروان الحكم كانت الخلافة واقعة تحت تأثير الحركات الانفصالية، ولا سيما في العراق، يومها لم يجد غير الحجاج بن يوسف ليعمل على توحيده، الذي أول ما وصل إلى بغداد وقف مخاطباً العراقيين:
“أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني”.

يومذاك، أخمد السيف الحركات الانفصالية، وأعاد الحجاج تأسيس الدولة الأموية، فيما الوضع يختلف كثيراً اليوم، لأن ثمة تيارات عربية رهنت نفسها لقوى خارجية، وتسلحت بما يسمى هيئات المجتمع المدني الدولية، التي لا يخفى على أحد أن مكاييلها تتعدد وفقاً لمصالح الدول المتحكمة بها، بل هي تحولت هيئات ابتزاز سياسي، تماماً كما هي الحال في غضها الطرف عن جرائم إيران والولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من الدول، أكان في سورية أو العراق، فيما تحاول ابتزاز المملكة العربية السعودية بمزاعم عن جرائم في اليمن، وبالتالي ليس من المفيد للعرب الرهان على الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي المرتهن لفيتو الدول الخمس الدائمة العضوية، أو غيرها من المؤسسات الدولية.
ففي العقود الأربعة الماضية جرب العرب حظهم مع هذه المؤسسات، أكان في الملف الفلسطيني حيث سعت الولايات المتحدة الأميركية، وعبر تلك المؤسسات، بكل قوتها إلى حماية إسرائيل، وتشجيعها على المزيد من سلب الفلسطينيين حقوقهم، أو في الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وراح ضحيتها أربعة ملايين بين قتيل وجريح ومعاق، وبلغت تكلفتها نحو 600 مليار دولار، فيما كان يمكن أن تحول العراق وإيران معاً دولتين متقدمتين، لكن الارتهان العراقي – الإيراني للعبة خدمة المصالح الإسرائيلية والأميركية والبريطانية، وسعي نظام الملالي إلى زعزعة أمن الدول المجاورة بزعم تصدير الثورة جعلا الحرب تستمر طيلة السنوات الثماني.
لا بد من الاعتراف أن العرب لم يستفيدوا من التاريخ، ولا من تجارب الأمم الاخرى، ولهذا فإن حروبهم الحالية ستستمر حتى يصلوا إلى مرحلة الوعي بأن مصلحتهم بالوحدة، تماماً كما كانت حال أوروبا التي وجدت أن استمراريتها بالوحدة، بعد حروب طاحنة أوقعت ملايين القتلى، ودمرت اقتصادات دول.
كان ممكن للعرب أن يوفروا على أنفسهم كل القتلى والدمار والخراب، لو أخذوا بالنموذجين الوحدويين العربيين الناجحين اللذين كان لهما التأثير الإيجابي الكبير، أكانت تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، أو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فالأولى جعلت من الإمارات السبع دولة عصرية وريادية، والثانية حمت الكويت والبحرين وبقية دول المجلس من الاعتداءات الخارجية.
ما يعانيه العالم العربي حقيقة هو سوء الإدارة السياسية والانسياق خلف شهوة الاستيلاء على السلطة عبر الانقلابات والثورات الدموية، وممارسة الديكتاتورية المطلقة، كما كانت حال النظام العراقي الجمهوري الذي رسخ الرغبة الانفصالية لدى سكان الشمال، وكما هي حال إيران اليوم حيث تسببت ثورة الخميني والنهج المذهبي للحكم في دفع الأحوازيين والبلوش والأكراد والآذاريين وغيرهم من المكونات الإيرانية إلى رفع راية الانفصال.
نعم، لا خيار للعرب غير السعي إلى الائتلاف في اتحادات موسعة تراعى فيها الخصوصيات الاجتماعية لكل مكون، تماماً كما هي الحال في الاتحاد الأوروبي الذي تتحدث شعوبها لغات عدة، لكنها منضوية تحت راية الوحدة التي تشكل مصدر قوتها وحمايتها حالياً.

أحمد الجارالله