شفافيات

لكي نفهم القرآن الكريم شفافيات

د.حمود الحطاب

د. حمود الحطاب

قال تعالى:
«أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون»
مشهد حزين… شخص تحضره الوفاة، وسيترك الحياة وسيذهب لعالم آخر ولا يعود لهذا العالم الذي ألِفَهُ وعاشه وأحبه؛ عاشه بين أبنائه وزوجته وإخوانه ومجتمعه وقريته ومدينته ، عاشه في طفولته وصباه ونضجه وشيخوخته، عاشه بحلوه ومره؛ فماذا هو قائل بعد كل هذا لأبنائه الذين جمعهم فالتفوا حوله، لم يتأخر أحدهم ليودعوا أباهم الذي أنجبهم وعاش معهم طفولتهم وحياتهم ؛ رباهم ،وكبرهم ووجههم، وأطعمهم ،وكساهم فماذا كانوا يتوقعون أن يقول لهم في هذا المشهد الحزين الباكي؟
إن القضية الكبرى التي كانت تشغل باله ؛ بال أبيهم يعقوب النبي «اسرائيل» ليس المال ولا المسكن ولا الإرث الدنيوي لا.. إنها أهم من ذلك بكثير « ما تعبدون من بعدي» إنه الخوف عليهم من الضلال والخوف عليهم من الشيطان والخوف عليهم من الانحراف الديني الذي مصيره إلى النار … وهذه هي التربية الحقة وحتى آخر لحظة .. فيجيب الأبناء بقلب واحد وإيمان عميق واحد من تربية لاتتزلزل ليطمئن قلب أبيهم المودع لهم: نعبد إلهك وإله آبائك : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون»
هل تذكرون أيها الأعزاء جميعا رسالة المصطلحات الأربعة في القرآن: حيث قلنا إن معانيها تدور مع الإسلام وجودا وعدما ؛ فهاهم الأبناء يؤكدون لأبيهم المشفق عليهم إنهم يعبدون إلها واحدا هو الله ولا يشركون به شيئا، ولمزيد من التأكيد قالوا إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل وإسحق الها واحدا مؤكدين استسلامهم لهذا الإله بالعبودية والطاعة «ونحن له مسلمون» خاضعون طائعون وهكذا يتأكد الوالد من وصول وصية أبيه ابراهيم لبنيه من بعده.. والقرآن بعد ذلك يسأل بني اسرائيل بني يعقوب يسأل الجيل الذي ضل عن الوصية وانحرف عنها: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ فهذا الذي قصصناه عليكم هو ما كان من يعقوب مع أبنائه.. وهكذا يقطع القرآن بهذا المشهد وهذه الوصية كل صلة دينية لبني اسرائيل وأبيهم حيث انتهى ذلك الجيل الذي تلقى الوصية من أبيه فجاء جيل آخر انفصل عن أبيه ووصيته فهل ورثتم يا بني اسرائيل تلك الوصية حتى يحق لكم الادعاء بانتمائكم إلى دين آبائكم؟ لا ..إنكم لم ترثوها ولو كنتم ورثتموها لكنتم آمنتم بالنبي محمد الذي جاء ليتم تلك الرسالة الكريمة الخيرة المتوارثة بين الأنبياء وهي رسالة التوحيد والإيمان..
أعزائي أيها الإخوة والأخوات: إن الشرق والغرب يريدون لناالآن وفي كل الأزمان يريدون جاهدين انتزاع هذه الوصية من بين أيدينا؛ وصية الإيمان وصية التوحيد الخالص لوجه الله… فهل نحن مستسلمون لهم فنترك وصية ابراهيم ويعقوب ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؟

كاتب كويتي