للإسلام موقف مميز وفريد من قضية العلم وأنواعه مع بداية العام الدراسي وفروض الكفاية

0

حين يكون الالتزام بالتخصص والتفوق المطلوب وعدم الاهتمام فقط بالحصول على شهادة وقتها يتحقق التقدم الحضاري المنشود

لو قامت الأمة الإسلامية بدورها في مجال التوازن والربط بين العلوم الحياتية والشرعية لسادت وفاقت على كبريات الدول

كان موضوعنا في عدد سابق بعنوات”العودة إلى المدرسة” تحدثنا فيه عن أهمية العلم في الإسلام وآدابه.وعن التفوق الدراسي والمذاكرة الجيدة، ثم كلمة للمعلمين والمعلمات ومسؤولياتهم الجسيمة… الخ.
واليوم نكمل مشوارنا التوعوي في إطار العودة إلى الدراسة مسلطين الضوء على موقف الإسلام من قضية العلم بأنواعه وتخصصاته. والمسؤولية الجماعية في توزيع فروض الكفاية والاهتمام بالتخصصات في الكم والنوع لتحقيق التقدم الحضاري في كل المجالات التنموية ومواجهة تحديات العصر.
فيما يلي جولة حول الموضوع

العلم وأنواعه في الإسلام:
جاءت كلمة العلم في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم مطلقة، ودونما تقييد أو تحديد، فهي تشمل كل علم نافع يهدف إلى خير الدنيا وعمارة الأرض، وكل علم يهدف إلى صلاح الناس، والقيام السليم بواجبات الخلافة البشرية على هذا الكوكب… من هنا يجب ألا يفهم العلم في الإسلام بأنه فقط العلم بأحكام الدين وآدابه وأنه لا شأن للإسلام بالعلم الكوني، أو العلم المادي ، لأن هذا الفهم خاطئ، حيث جاء الإسلام شاملاً لجميع نواحي الحياة وأمر البشر بتعمير هذا الكون المسخر له، وتوجيه القرآن في هذا الصدد هو التأكيد للمنهج العلمي الصحيح ، الذي يحفز الإنسان لاستكشاف ما هو مجهول في هذا الكون، وهذا يفتح الباب واسعا أمام العقل، للاستنباط من أنواع العلوم المختلفة، ومنها ما يتعلق بشؤون الاقتصاد والسياسة والاجتماع، ولقد اهتم الاسلام اهتماما كبيراً بالعلم، فعندما نزل القرآن الكريم، كانت أول كلمة نزلت في القرآن (اقرأ) لعظمة العلم في حياة الانسان ، والحكمة من نزول كلمة (اقرأ) هي للتعلم، لأن الله لا يعبد بجهالة أو دون علم، قال الله تعالى:(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) – سورة الزمر- 9.
– إن العلم في نظر الإسلام له أهمية كبرى في حياة الفرد والمجتمع فالاسلام يعتبر العلم من مقومات الدولة الأساسية ولاتكاد تخلو حضارة أو تاريخ منه.
وبذلك كله كان العلم هو العنصر الأول من عناصر الحياة في نظر الإسلام، وبه حارب الإسلام الجهل في كل وكر من أوكاره وفي حديث لرسول الله: (إن من تعلم وعلم، علمه الله ما لم يعلم).
وقال الله تعالى :(والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) من هنا وبالعلم وقوة العقيدة والعمل الصالح ظهر أجدادنا العرب المسلمون على مسرح التاريخ، وكان لهم بيان ووجود، وأصبحوا سادة العالم حينذاك، ذلك بالتحضر بالعلم والثقافة. ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ووجه أصحابه من بعده أن تكون أهدافهم في هذه الحياة الإيمان والعلم والمعرفة والثقافة، لا يؤثرون على ذلك شيئا. يتبادلون ذلك ويعملون على ذيوعه ونشره لعمارة الأرض التي استخلفوا فيها.

علوم فرض عين وكفاية
فكلمة العلم التي كثرت الإشارة إليها في الكتاب والسنة إنما تعني – في أكثر الاحيان – العلم بشقيه الشرعي والحياتي، وكل ما جاء من مدح للعلماء، فهو لكل عالم نفع الناس بعلمه، سواء كان شرعيا أم حياتيا.
ثم إن هذه العلوم – سواء علوم الشرع أو علوم الحياة – تنقسم بدورها الى قسمين: علوم فرض عين، وعلوم فرض كفاية.
وفرض العين هو ما طلب الشارع فعله طلبا جازماً من كل مكلف بعينه، فلا يكفي أن يقوم به البعض دون البعض الآخر، ومنه: الصلاة، والصيام، والوفاء بالعقود وغيرها.
فهذا النوع من العلوم حتمي على كل المسلمين، وليس هناك استثناء فيه، وهو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال فيه: (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
وأما العلوم فرض الكفاية فهي تلك العلوم التي إن قام بها بعض المسلمين على الوجه الأكمل ، واستطاعوا أن يكفوا بقية الأمة فيها، فإنهم يثابون عليها ويسقط الإثم عن باقي الأمة، حتى أولئك الذين لم يقوموا بها، وأما إذا لم توفر الأمة العلماء ما يكفي حاجتها في فرع معين، فإن الإثم يقع على الجميع إلى أن تكفي الأمة حاجتها في ذلك الفرع، فتوفر الكم والنوع اللازم لسد كل الثغرات.
وفروض الكفاية كثيرة جداً، والأمة النجيبة الواعية هي التي توزع فروض الكفاية على أفرادها بحيث تسد كل الثغرات لديها، وتكفي كل حاجاتها ، بحيث لا يصبح هناك – مثلا – تكدس في أحد المجالات، ونقص وقصور في مجالات أخرى، وهذا يحتاج إلى اتساع أفق وشمول نظرة.
ولا يستقيم لأمة ناجحة أن تتكدس فيها – مثلاً – طاقات فقهية، بينما تفتقر إلى علماء الطب أو الكيمياء، ولا يستقيم لأمة متكاملة أن يتكدس فيها جمع غفير من القضاة، وهي تفتقر إلى علماء التاريخ، وهكذا.
وهذا دور الدولة الناجحة، أن ترقب باستمرار أوجه النقص، ومن ثم تسد الخلل وتحرص على تكميله… كما أنه دور الأفراد في أن يتوجهوا إلى سد الثغرات المهمة والضعيفة، وألا يترك اصحاب التخصص منهم تخصصهم وينشغلوا بغيره من الأعمال التي لم يكلفوا أصلا بأدائها، ولم توجب عليهم.
على أن الدور الأكبر والمسؤولية الضخمة في هذا الأمر تتحمله الدولة ممثلة في الحكومة، ولابد لها من أن تسعى لرفعة شعبها واعزاز أمتها في كل المجالات، وهي غير معذورة في أي تقصير في هذا الأمر، كما أنه ليس هناك مبرر للبقاء في ذيل الأمم لسنوات وسنوات.
وهذا لا يعني – كما سبق أن أشرنا – إعفاء انفسنا من المسؤولية، فهذا مصير الأمة، وإننا – كأفراد – لدينا من المساحات الضخمة التي من الممكن أن نعمل فيها وننتج ونبرع الكثير والكثير.
فالطالب – مثلا – في أي مراحله التعليمية بإمكانه ألا يكتفي بما هومقرر عليه فقط، وخاصة إذا كان هذا المقرر على مستوى غير كاف، ومن ثم فيمكن أن يلجأ إلى المكتبات وإلى الشبكة العالمية (الإنترنت) وغيرها، مما يزيد من حصيلته العلمية في مقرراته الدراسية وفي مجال تخصصه.
فإذا كان طالبا يكون طالبا متفوقا، وإذا كان أستاذا أو معلماً يكون معلماً متقنا ومبدعاً، وإذا كان مهندساً يكون على أعلى درجة وأمكن معرفة بمجال عمله وهندسته،وهكذا، والمطلوب هو بذل الجهد كل في مجاله قدر المستطاع.
وحين يكون الالتزام بذلك، وحين لا يكون مبلغ علم الجميع وأقصى أمانيهم هو فقط الحصول على شهادة في كذا أو كذا، حينها يسود جو عام من حب العلم، فيصبح البلد أو الإقليم وقد اتخذ وجهة العلم قبلة له، شاء في ذلك أم أبى اصحاب اتخاذ القرار وصناعه!!
بل إن السياسيين حينذاك سيجدون أنهم مضطرون إلى أن يسايروا تلك الموجة العلمية، ويكونوا من ركبها، تماما كما يسايرون الموجة الدينية – رغم أن الكثيرين منهم ليست لهم ميول دينية أصلاً – فتراهم – مثلا – يقيمون المسابقات الدينية، ويحضرون الاحتفالات الموسمية،ويهبون الجوائز على حفظ القرآن الكريم… وذلك طالما كان هناك جو عام من الاهتمام بالدين. فكذلك إذا كانت هناك ثورة علمية، وأصبح العلم شغل الأفراد ومصب اهتماماتهم، حينها ستجد السياسي -مثلا – الذي يريد أن ينجح في الانتخابات، تراه يضع في برنامجه الانتخابي الاهتمام بالمؤسسات العلمية، والعمل على إنشاء الجديد منهاوالمزيد، وزيادة ميزانية الدولة في هذا الجانب. وعليها فلن تجد اهتماماته متجهة فقط إلى الطعام والشراب، وما إلى ذلك، وإنما يكون جل اهتماماته هو هم الأمة الأول وشغلها الشاغل، وهو يومئذ العلم وقضايا التعليم!
ولو قامت الأمة الإسلامية بدورها في هذا المجال (الاهتمام بالتوازن بين العلوم والربط بين العلم الشرعي والعلم الحياتي) حكومة وشعباً، جماعات وأفراداً، ما افتقرت أبدا إلى غيرها، ولقامت معتمدة على سواعد أبنائها، وهذا – ولاشك – يرفع من قيمتها ويعز شأنها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 × أربعة =