قراءة بين السطور

لماذا انهارت قبلنا دول عريقة؟ (1 من 2) قراءة بين السطور

سعود السمكة

سعود السمكة

حتى مطلع الخمسينات من القرن الماضي كانت عواصم بعض الدول العربية في اوج ازدهارها على جميع الصعد، فعلى مستوى الحكم كان النظام ملكيا الا انها دستورية قائمة على اسس ديمقراطية حقيقية ونظام احزاب وتداول سلطة وحريات اعلامية وسياسية، وعلى مستوى الاقتصاد فكانت تتمتع بأمتن الاقتصادات في العالم، وعلى مستوى التعليم كان لديها اجود المناهج التعليمية وافخم الجامعات، وعلى مستوى التراث كانت تزخر بالارث التاريخي، وعلى مستوى الادارة كانت تتفوق على معظم دول العالم، وعلى مستوى فن العمارة والبنى التحتية كانت من افضل العواصم في هندسة المعمار وشبكة المواصلات، وعلى مستوى النظافة فكان البعض من هذه العواصم تغسل شوارعها ليليا بالماء والصابون.
في بدايات عقد الخمسينات بدأت في هذه الدول مصائب الانقلابات تجتاح عواصمها وتم تغيير انظمتها هكذا بالقوة واغتصبت سلطاتها الدستورية الشرعية، اي ان الشرعية انتهكت بليل، وتمت سرقة الحكم من خلال المدفع والدبابة، وبدأ وضع حجر الاساس للفساد والانهيار من قبل سلطات الانقلاب، وبدأت آفة الفساد تنخر بهذه الدول بوتيرة متسارعة الى ان وصلت الى دول فاسدة وفاسدة جدا بحسب تقرير المنظمة الدولية للشفافية الصادر عام 2018!
فنحن في الكويت لم يتم بفضل الله سرقة الشرعية، لكن للاسف تمت سرقة الضمير وصودرت الامانة وغاب الاحساس الوطني!
قد لا نكتشف نحن ابناء هذا الجيل تبعات هذه السرقة للضمير وهذا الغياب للامانة والاحساس الوطني، لكن حتما سوف لن تجد لنا الاجيال اللاحقة في اوراق التاريخ شيئا نستحق ان تترحم علينا فيه!
اين مكانة تلك الدول التي ذكرناها، اين صدارتها وازدهارها وتفوقها ورفاه شعوبها وسعادتها، ولماذا وصلت الى هذا البعد الهائل من الفشل؟
اتدرون ما هو السبب الرئيس والاساس الذي ادى بها الى هذا الانحدار المتسارع؟
حين تم ضرب الادارة وحين وسد الامر الى غير اهله في مفاصلها ومراكزها القيادية وحين غاب المفهوم الاخلاقي للتنصيب، وحين نزعت بلاغة المسؤولية من الصدور، حين وظفت الادارة للاهواء والغايات السياسية حينها فسد كل شيء وغدا امر العودة الى ما كانت عليه سابقا ابعد من المستحيل، لأن الامر اصبح ثقافة وضعت لها قواعد غائرة في جسد الوطن، وتفرعت منها اعمدة لها من القوة ما يمنع عنها اي تغيير!
قد يقول قائل وما شأن الكويت بهذا المثال؟
اقول: اذا كان هناك بلد في هذا العالم المترامي الاطراف له شأن في هذا المثال فهي الكويت، ولينظر كل من يسأل هذا السؤال الى حال الادارة الحكومية اين كانت وما هي الحال التي هي عليها اليوم؟
ان بين الكويت وتلك الدول هناك وجه شبه يصلح ان يكون للمقارنة، فالكويت بدأت نهضتها الادارية تزامنا مع اولى خطوات الانحدار في ادارات تلك الدول، فبقدر ما كانت ادارات تلك الدول بالانحدار كانت الادارة في الكويت تنهض بوتيرة متسارعة في نشاط مهني متميز شمل كل مناحي الحياة، وعلى اسس سليمة ومسؤولة شملت الاقتصاد والتجارة والتعليم والادب والفن والثقافة والعمارة وشبكة الطرق والرياضة والصحة، والمؤسسات الامنية والبيوتات المالية، والشركات متعددة الاغراض والاعلام الى آخره، حتى اصبحت “ايقونة” على مستوى المنطقة في الشرق الاوسط، وذاع صيتها رغم تواضع مساحتها الجغرافية وعدد سكانها بين دول العالم، الى ان اطلق عليها العالم مسمى “عروس الخليج” لشدة ما تفوقت فيه على مستوى جميع المجالات.
(وللحديث بقية)