مختصر مفيد

لماذا تدعم روسـيا النظام السوري ؟ مختصر مفيد

أحمد الدواس

أحمد الدواس

هناك بعض الأقاليم الإسلامية في روسيا مثل الشيشان وداغستان وأبخازيا وأنغـوشيا، تطالب بالانفصال والاستقلال عن روسيا لتصبح جمهوريات، وبالطبع ترفض روسيا ذلك حتى لايتفكك الإتحاد الروسي، فماذا تفعل روسيا ؟ دعمت النظام السوري ضد معارضيه، وهي رسالة تحذير قوية الى هذه الأقاليم كأنها تقول للأقاليم إحذري ولاتتهوري وإلا يكون مصيرك مشابهاً لمصير المعارضة السورية، أي كما لو أن روسيا تضرب المعارضة والثوار السوريين حتى ترتدع الشيشان وداغستان وأبخازيـا وأنغوشيا.
لروسيا أسباب أخرى في دعم النظام السوري، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد أن يستعرض أمام العالم بأن روسيا لاتزال قوة عالمية وأنه الرجل الذي أنقذ سورية، كذلك ليصرف الانتباه عن أوكرانيا حتى يحتفظ بها تحت النفوذ الروسي بعد ان احتل شرقها، وليحصل على ورقة ضغط يساوم بها الغرب، ثم ان الاهتمام الروسي بسورية بدأ خلال فترة الاتحاد السوفييتي لأسباب اقتصادية، فسورية تمتلك مصدراً ستراتيجياً مهما لطالما تمنته روسيا ألاوهو الحصول على ميناء في المياه الدافئة، ويٌحقق ميناء طرطوس السوري لروسيا هذه الطموحات الروسية القديمة، لأن الموانئ الروسية إما إنها مغلقة بسبب التجمد طول السنة أو إنها تقع بمضايق بحرية مُقفلة تسيطر عليها دول أخرى .
هذا هو الموقف الروسي الذي يقوم على دوافع سياسية واقتصادية في دعمه للنظام السوري ولايقوم على أسسٍ من القناعة والأخلاق، وهرع لإنقاذ النظام السوري من السقوط في معركة حلب، ففي سنة 2016 كان الثوار السوريون يعتبرون حلب مدينة مهمة للغاية، وكانوا يأملون بأنهم إذا أطاحوا بالنظام في حلب وسيطروا عليها فإنهم سوف يقيمون لهم حكومة نـداً للحكومة السورية في دمشق، ومن حلب ينشرون الثورة في الأقاليم السورية الأخرى، ولكن جاء التدخل العسكري الروسي لمساعدة النظام فتحمست إيران وحزب الله وانضموا معاً لقتال الثوار ولطردهم من المدينة على اعتبار إنهم «إرهابيون «، وفي يوليو 2016 حاصرت هذه القوات حلب واستخدمت روسيا «سياسة الأرض المحروقة» أي تدمير المنطقة لدفع الناس للهروب منها، ما أدى الى نزوح عشرات الآلاف من سكان هذه المدينة ومات أو جٌرح الكثيرون، وأصبح وضع المدينة مشابهاً لماجرى لمدينة دريسدن في ألمانيا التي قصفت بالقنابل واُستخدم فيها العنف المُفرط ضد المدنيين في الحرب العالمية الثانية،وفي يوم 12 ديسمبر 2016 سقطت حلب في يد النظام وحلفائه فتغـير ميزان القوى لصالحه فأصبح يسيطر على غرب سورية بدءاً من حلب الى حماة وحمص ودمشق وهو مايشكل العمود الفقري للدولة.
وبإلقاء نظرة على خريطة سورية يتبين ان النظام السوري يسيطر على نصف سورية بدءاً من وسطها الى ناحية الغرب، وأصبح الأكراد يسيطرون على الشمال الشرقي، «داعش» منهزمة مفتـتة داخل سورية، أما الثوار السوريون فموزعون هنا وهناك بمناطق قليلة والمعارضة السورية ضعيفة، وفي الفترة الماضية شنت الطائرات الروسية حرباً ضد الثوار في الغوطة قرب دمشق، تماماً مثلما فعلت في معركة حلب، وبدأ النظام السوري أيضأ بقصفهم واشتركت ايران معهما ولم يكترث أي منهم بسقوط الضحايا من المدنيين والأطفال، ثم انتقل الثوار الى منطقة مجاورة هي دومـا فتعرضت هي الأخرى للقصف العسكري وللسلاح الكيماوي، فشنت اميركا وبريطانيا وفرنسا ضربات عسكرية ضد مراكز إنتاج السلاح الكيماوي في سورية.
المتهم الحقيقي في المأساة السورية هو فلاديمير بوتين برأي أحد المحللين، وبشكل عام لاتلتزم السياسة الروسية الخارجية بالاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، وإنما تسعى دائماً وراء المصلحة الروسية،فبغياب الدور الأميركي في الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية استطاع بوتين ان يزور مصر وتستأنف روسيا رحلات طيرانها الى مصر، ولأن الاقتصاد الروسي في حالة ركود فإن الشرق الاوسط سوق مربحة لروسيا التي استثمرت في كردستان العراق، وبوتين يمارس سياسة «فرق تـسد»، تجاه الغرب لتحويل انتباه الروس عن فشله الداخلي، ويريد استعادة مجد روسيا الذي فقدته عند تفكك الاتحاد السوفييتي، وروسيا تتدخل في شؤون الدول بدءاً من البلطيق الى شرق أوروبا، كأن بوتين يريد الانتقام من الآخرين بعدما أصاب الاتحاد السوفييتي الذل والإهانة فتفكك في التسعينيات، الموضوع طويل ربما نعود إليه مستقبلاً.
سفير كويتي سابق
aldawas.ahkwt@yahoo.com