لماذا درس الصهاينة سيرة صلاح الدين؟ قصص إسلامية

0 127

محمد الفوزان

في عصر الدولة الأموية في الأندلس، أوفد أحد ملوك النصارى في أوروبا جاسوساً؛ ليكون عوناً وعيناً له على المسلمين، لكي يقيس درجة إيمانهم وصلاحهم وكرههم لأعداء الإسلام؛ ويتجسَّس أخبار المسلمين، فإن وجد فيهم ضعفاً وهواناً أخبرهم حتى ينقضوا على المسلمين، كما يَنْقَضُّ الصقر على فريسته!
لكنَّ ذلك الجاسوس فوجئ حين رأى شاباً يبكي؛ لأنَّه أصاب تسعة أسهم في الهدف من عشرة، فأخبر الجاسوس سيده بذلك، فقالوا: إذا كان شباب الإسلام على هذه الشاكلة يستحيل أن نغزوهم عسكرياً؛ ولكنَّنا سنغزوهم فكرياً، ونضعف محبة الإسلام والقيام بشعائره في قلوبهم وجوارحهم، حتَّى نجد الحال قد اختلف عندهم، وحينها يمكن احتلال ديارهم بكل سهولة ويسر.
بالفعل فعلوا ذلك، وعندما عاد الجاسوس بعد مدَّة؛ لكي يتفقد أحوال المسلمين وجد شاباً يبكي لأنَّ حبيبته تركته، فذهب فرحاً جذلاً لقومه وقال لهم:” إنَّ هذه هي الفرصة المواتية لقتال المسلمين، واحتلال أرضهم”.
هذه القصَّة تبين دور العدو في اغتنام الفرصة لغزو المسلمين، وإفساد تربيتهم، وقياسهم للمؤشر العام في الوعي الإسلامي في قلوبهم، وآثار هذا الوعي على أرض الواقع وفي دنيا الناس، والتنبيه على دور العدو في محاولة إغراق المسلمين بالملهيات وتوافه الأمور؛ لكي يستطيع أن ينفذ من خلالها لتحقيق مآربه ونواياه الخبيثة.
لكنَّ العدو الذي يسيطر على قرارنا وثرواتنا يحاول أن يغرس الكثير من الخطايا والأخطاء بين المسلمين، ويستغلها لمصلحته، ولهذا نجدهم يصطادون في الماء العكر، ويحاولون التفريق بين المسلمين؛ لكي يحركوا بذور الخلاف بينهم فيضخموها أكثر مما كانت عليه، وكذلك يرقبون أي حالة إحياء نهضوية تريد العودة بالبلاد إلى دين الله ليشوهوها ويضيقوا عليها.
لقد ذكر المؤرخ شاكر مصطفى، رحمه الله، في مقالة له بعنوان:” من الغزوة اليهودية إلى الصهيونية ومن الغزوة الصهيونية إلى اليهودية” أنَّ مجموعة من الباحثين اليهود باللغة العبرية “درسوا عصر صلاح الدين، وتعمقوا في هذه الدراسة، وأخضعوها للقواعد التي تخص العلوم الإنسانية اليوم، ويقولون هدفنا من هذه الدراسة معرفة الأسباب التي أوجدت صلاح الدين حتى نعمل على تطويل عمرنا على هذه الأرض، بحيث نعمل على عدم وجود هذه الأسباب التي ستظهر صلاح الدين”.
درسوا عصر صلاح الدين دراسة علمية، ودرسوا كل ما يخص الإنسان ونمط الحياة، ودرسوا المساجد، هل لها دور فنعطل مهمة المسجد إن كان هذا سيؤدي إلى إظهار صلاح الدين، حتى درسوا نداءات الباعة في الأسواق في عصر صلاح الدين، حتى يعرفوا كيف يفكر الناس، ودرسوا الأهازيج التي تنشدها الأمهات للأطفال على السرير قبل نومهم، وهل هذه الأهازيج لها دور في إظهار صلاح الدين، فدرسوا كل شيء عن حال الأمَّة”؟
إذا كانت الحالة هذه، وخطط الأعداء واضحة تجاه بلاد المسلمين المحتلَّة، فإنَّ المراقب لتلك سيأتيه شعور داخلي بمدى أهميَّة حاجة المسلمين للتربيَّة على منهج إسلامي متكامل ومتوازن، فالأمَّة بشتَّى أشكالها وجماعاتها وروافدها الفكريَّة، ونخبها الثقافيَّة لا بدَّ له من تربيَّة شموليَّة تعنى بزرع العقيدة الصحيحة والقيم والمفاهيم الإسلاميَّة لترسيخها في العقول، وتطبيقها في الواقع، وبخاصة عندما نعلم أنَّ أعداء الإسلام ما استطاعوا أن يحتلوا بلاد الإسلام، ويسقطوا الدولة العثمانيَّة؛ إلاَّ لهوان الإسلام في قلوب كثير من منتسبيه، وابتعادهم عنه، وضعف تطبيق المفاهيم، بل الجهل العام بكثير من قضايا العقيدة الإسلاميَّة، وعدم توحد المسلمين، وانشغالهم بالجزئيات وجعلها مشاريع، مما أدى الى تفاقم الخلافات بينهم، وتركهم للكليات، وحالة الضعف والتراخي في مواجهة العدو، والترهل الداخلي، والموات الجماعي، وكثرة خلافاتهم، وبُعْدهم أولاً وآخراً عن الارتباط بالله تعالى، ولذلك يغتنم العدو هذه الفرص، وبكل تأكيد فإنَّه لن يتم تحرير قراراتنا وصناعة سلاحنا واحتياجاتنا، إلاَّ بعد صحوة المسلمين من غفوتهم، وفرك أعينهم جيداً، وهم يرون الأعداء يعبثون بمقدراتهم، ويرونهم قد استولوا على كل شيء، فتنبعث روح اليقظة الإسلاميَّة والحميَّة بينهم، وإدراك مخاطر العدو لبلادهم وشعوبهم، وتغيير ما بالأنفس، فالله تعالى يقول:” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

You might also like