لم يأت الوافدون لكي ينعشوا اقتصادنا

حسن علي كرم

حسن علي كرم

اذا استثنينا العمالة اليومية, الذين يتراوح متوسط رواتبهم الشهرية ما بين 100 الى 200 دينار, وفي أحسن الظروف 250 ديناراً, واذا وضعنا في الحسبان ان هذا الوافد يستقطع ما بين 30 الى 40 في المئة من معاشه الضئيل للإيجار والاكل وخلافه، واذا افترضنا بل أكيد تحويل جزء من معاشه الى أسرته الذين ينتظرون بعين الأمل والرجاء وصول التحويلة, فما يتبقى معه قد لا يغطي مصروف السكائر وأستكانات الشاي التي قد يحتسيها جالساً مع أصدقائه على دكة مقهى, من هنا، نستطيع ان نتصور حجم المعاناة الذي يتجرعه هذا الوافد, فالمعاش الضئيل الذي يتقاضاه في نهاية كل شهر, هذا اذا افترضنا ان رب العمل يخاف ربه, ويلتزم صرف الرواتب في التاريخ المعلوم, ولا يروغ او يزوغ اويتلاءم فيخصم او يؤخر صرف الرواتب شهر او شهرين او اشهراً بذرائع وألاعيب واهية, ما يجعل عمالته يتضورون جوعاً وضنكاً ومذلة وجورا.
ثلاثة ارباع العمالة الوافدة المقيمين في الكويت , هامشية, وغير مهنية او محترفة, والرواتب مقطوعة وضئيلة وقد يمرون أياماً بلا عمل, لذلك لا تندهش اوتستاء اذا وجدت هؤلاء يجلسون على قارعة الطريق او على ناصية شارع, او على دوارٍ او امام دكان بلا عمل, وكأنهم بهوات او في اجازة رسمية اويوم راحة, فالكفلاء وتجار الإقامات والمتاجرون بالبشر مصاصوالدماء, قاتلهم الله ونكد عليهم معيشتهم, جاؤوا بهم ورموهم في الشوارع, وقالوا لهم اذهبوا أنتم وربكم قاتلوا ونحن هنا لكم بالمرصاد …!!!
العامل الهندي او البنغالي او المصري ا الأفريقي او غيرهم الذين جيئ بهم من القرى النائية والذي يسكن هو وأسرته في بيت من كرتون اومن صفيح اوقش اومن طين, وكل رأسماله بقرة او جاموسة اورشكة يضطر الى بيع بقرته او جاموسته اوالرشكة بابخس الاثمان, ويقترض مبلغاً اخر حتى يكمل المبلغ المطلوب فيدفعه للسمسار الذي يغريه بالسفر الى الكويت او بلدان الخليج للعمل, متصوراً المسكين انه اذا جاء الكويت او الخليج تنتظره آبار البترول وأطنان الذهب, وشوالات الدنانير والدراهم والريالات وما عليه الا ان يغرف أكوام الذهب والدنانير والدراهم والريالات في شوالات سميكة مكينة يطير بها الى حيث بلده او قربته, ويشيد هناك قصوراً جدرانها من المرمر والرخام وبساتين غناء, ويتزوج بنت السلطان ويعيش في ثبات ونبات سلطان زمانه, لا انه خُدع وسقط بايدي عصابات تجار البشر, هناك من ينخدع ان الفلوس زي الرز مرمية في شوارع الكويت اوالخليج, مع ان ثلاثة ارباع الكويتيين مديونون للبنوك!
لا ريب ان تكاليف المعيشة في الكويت ليست يسيرة, فاذا كان الاكل رخيصاً, لكن تبقى هناك أمور اخرى مكلفة, كالمواصلات والعلاج – خارج اطار التامين الصحي – ورسوم الكهرباء والماء وخلافه, فاذا كان البيت الكويتي (متوسطو الدخل) يحتاج ما بين 1250 الى 1500 دينار مصاريف شهرية, نستطيع ان نتصور صعوبة الحياة التي يعيشها عامة الوافدين, الامر المؤكد ان هناك وافدون رواتبهم عالية, بل فاحشة, لكن هؤلاء لا يقارنون مع مئات الاف من الوافدين البسطاء الهامشيين …
«اداء الضرائب والتكاليف العامة واجب وفقاً للقانون (مادة 48 من الدستور). «لكن من الأوجب بفرض الضرائب عليه هل على البسطاء واصحاب الدخول المتدنية والمحدودة ويفلت اصحاب المليارات والسادة النبلاء, ام من العدالة أن يبدأ فرض الضرائب من فوق اولاً من النبلاء واصحاب المليارات الذين تتكدس ثرواتهم وملياراتهم في البنوك الاجنبية؟ نقول ذلك ليس بخلاً ولا حسداً وحنقاً اوحقداً عليهم والله يسعدهم في اموالهم, لكن ينبغي ان ننظر للامور بميزان العدالة والحق, الا ان هناك من لا يستسيغ الحق ولا العدالة, لأنهم يعلمون جيداً ان الحق والعدالة ليسا بجانبهم.
الوافدون جاؤوا الى الكويت بأحلام الثراء لا لانعاش اقتصادها, لكن هل عليهم ان ياكلوا ويشربوا ويناموا ولا يشعرون انهم العصب الفعّال والشريك الاهم في انتعاش اقتصاد الدولة, وانهم يشكلون اكثر من ثلثي سكان الكويت فيما يشكل المواطنون النسبة الاقل؟ بمعنى انهم ينتفعون من الخدمات الصحية والطرق والماء والكهرباء والتعليم شانهم شان المواطنين, فهل كثير اذا طالبت الدولة فرض ضرائب او رسوم نظير حصولهم على تلك الخدمات, الامر المؤكد من حق الدولة فرض الرسوم والضرائب, غير ان السوْال هل في ظل الرواتب المتدنية تفرض الضرائب والرسوم العالية على الوافدين, فيما لا يطالب الكفلاء وارباب الاعمال تحسين رواتب عمالتهم؟ لذا ينبغي تحسين الرواتب اولاً ثم فرض الضرائب, اوبتحمل الكفلاء وارباب الاعمال ضرائب عمالتهم.
في الدول التي تستضيف عمالة وافدة ومن بينها دول خليجية لا يستثنى الوافدون من الضرائب (وهي ضرائب غير مباشرة) الا ان الفرق ان هناك شركات تقدم الخدمات, مثل الكهرباء والماء والهواتف والطرق ..الخ, لذلك يتساوى هناك المواطن والوافد, اما هنا, فهناك اصرار عجيب على تثبيت البيروقراطية والمركزية, والقبضة الحديدية على ادارات الخدمات, ومعاملتك مش خالصه فوت بعد أسبوع, هناك الوافد يدفع ضريبة القمامة مثلما يدفع ضريبة الطرق …الخ بنفس القيمة التي يدفعها المواطن, لذا لا يشعر الوافد بالتمييز اوالتعسف, ان تمييز الدولة مواطنيها على الوافدين هذا حق ولكن ما اوجه التمييز؟
اذا اردتم فرض الرسوم والضرائب او استقطاعات على تحويلات العمالة الوافد لا بأس لكن اولاً الغوا نظام الكفيل, وثانياً حسنوا الرواتب, وثالثاً اجلبوا عمالة ماهرة, عمالة متعلمة, عمالة مهنية, واخيراً خصصوا الخدمات.

صحافي كويتي