“له خال على صفحات خد.. كنقطة عنبر في صحن مرمر” محبرة وقلم

لا شك ان الشامة او الخال اخذت مساحة في شعر الغزل، فكثير من الشعراء ذكروا الخال في قصائدهم، فالخال مرتبط بالحسن والجمال، وهو اجمل ما يكون على الخد، والخال في النساء اجمل منه في الرجال، وفي العصر العباسي الاول، كان لهارون الرشيد جارية اسمها «ذات الخال» كانت من أجمل نساء عصرها، وما زاد جمالها جمالا خال على خدها، ورغم صغر الخال ودقته الا ان له سحرا في عيون الناظرين، فهو صورة بديعة من صور الجمال، ومن اجمل ما قيل في الخال البيتان الرائعان اللذان غناهما المطرب العراقي الراحل ناظم الغزالي بصوت شجي:
“له خال على صفحات خد
كنقطة عنبر في صحن مرمر
وألحاظ كأسياف نادي
على عاصي الهوى الله اكبر”
أنظروا الى الابداع في وصف الخال على الخد، حتى صوره لنا بنقطة عنبر على صحن مرمر، ولك ان تتخيل نقطة العنبر على صحن مرمر ابيض، ثم يصف في البيت الثاني الحاظها وهي عيونها كالسيوف القاتلة والتي تنادي على عاصي الهوى، وهو المتمرد على الحب، الله اكبر، وبعد هذا الشرح السهل البسيط اود ان اشير الى امر مهم للغاية وهو ان كل من يذكر هذين البيتين الرائعين، لا يذكر صاحبهما، والمنصف من يقول هما للشاعر «ابن ياقوت» وهذا هو الاجحاف، فأولا لا يوجد شاعر يحمل هذا الاسم على الاطلاق وقد وقع من ذكر ذلك في خطأ هو في غنى عنه، ثم ان من يقول ابن ياقوت لا يبين لنا من هو هذا الرجل، في اي عصر عاش، والحقيقة انهم يحبون هذين البيتين دون معرفة لمن هما، ايها الاحبة صاحب هذين البيتين ليس ابن ياقوت كما يذكر البعض، وانما هو: ياقوت بن عبدالله الرومي، ابو الدر الملقب مهذب الدين الشاعر العباسي المشهور، مولى ابي منصور الجيلي التاجر، وردت له ترجمة وافية في تاريخ سير اعلام النبلاء، وقال عنه قاضي القضاة ابن خلكان في وفيات الاعيان:
“اشتغل بالعلم، واكثر من الادب، واستعمل قريحته في النظم فأجاد ولما تميز ومهر سمى نفسه عبدالرحمن، وكان مقيما بالمدرسة النظامية ببغداد، وكان خطة غاية في الجودة، وشعره اكثر في الغزل والتصابي وذكر المحبة وراق شعره وحفظه الناس ومن شعره السائر:
” نسيم الصبا بلغ تحية مشئم
الى معرق لم يرع عهد ذمامي
وصف بعض اشواقي اليه لعله
يرق لذلي في الهوى وهيامي
ايا رحبة الزوراء لي فيك شادن
نفى بعده عن مقلتي منامي
بديع جمال بان صبري لبينه
وعرضني اعراضه لحمامي”
“حياتي وموتي في يديه وجنتي
وناري وربي في الهوى وأوامي
ففي بعده عني وفاتي، وقربه
حياتي واسعادي ونيل مرامي”.
وله ايضا ابيات كانت تردد في بلاد الشام يقول في بعضها:
“جسدي لبعدك يامثير بلابلي
دنف بحبك ما ابل، بلى بلى
يامن اذا ما لام فيه لوائمي
اوضحت عذري بالعذار السائل
أأجيز قتلي في الوجيز لقاتلي
أم حل في التهذيب ام في الشامل
أم في المهذب ان يعذب عاشق
ذو مقلة عبرى ودمع هاطل
أم طرفك الفتاك قد افتاك في
تلف النفوس بسحر طرف بابلي”
وقد وجد هذا الشاعر ميتا في بيته ببغداد في الثاني عشر من جمادى الاولى سنة اثنتين وعشرين وستمئة للهجرة في خلافة الظاهر بأمر الله ابو نصر محمد بن احمد الناصر لدين الله العباسي الخليفة السادس والثلاثون في سلسلة خلفاء الدولة العباسية (623-640هـ) وبالعودة الى بيت الشعر عنوان الموضوع:
“له خال على صفحات خد
كنقطة عنبر في صحن مرمر”.
فلابد من الاشارة هنا الى ان ياقوت بن عبدالله اغترف هذا البيت من بحر قول ابن نباته السعدي الذي يقول:
“بروحي فاتر الالحاظ ألمى
ملء الحسن، حالي الوجنتين
له خال على دينار خد
تباع له القلوب بحبتين”.
ولا شك ان البيت الاول اكثر شهرة من الثاني، وفي الخال يقول عبد الغني النابلسي:
“عشق ذات الخال عشقي
وأنا السيف الدمشقي”.
وقد ورد انفا ذكر ابن نباته السعدي التميمي، واحببت ان اذكر شيئا عنه، وهو من مشاهير شعراء القرن الرابع، الهجري واسمه:
ابو نصر عبدالعزيز بن عمر بن نباته، وله البيت الشهير الذي يقول فيه:
“ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الاسباب والموت واحد”.
ولد سنة 327هـ وتوفي سنة 405هـ، كان شاعرا محسنا مجيدا بارعا جمع بين السبك وجودة المعنى، وهو شاعر وقته ولد وتوفي في بغداد اما بيته المشهور هو ضمن قصيدة يقول فيها:
أرى المرء فيما يبتغيه كأنما
مداولة الايام فيه مبارد
ويضطرم الجمعان والنقع تأثر
فيسلم مقدام ويهلك خامد
فصبرا على ريب الزمان فأنه
لكم خلقت اهواله والشدائد
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الاسباب والموت واحد».

جف القلم ونشفت المحبرة في أمان الله

كاتب كويتي

Leave A Reply

Your email address will not be published.