ليتهم لم يفعلوها في سورية

لقد أزفت ساعة الحقيقة، وبات على الجميع مواجهتها، اذ بعد خمس سنوات ونصف السنة على بدء الحرب السورية، التي كانت فيها تركيا رأس حربة لإسقاط النظام، أقرت اخيرا وعلى لسان رئيس الوزراء علي بن يلدريم ان “الاسد ممكن ان يكون جزءا من مرحلة انتقالية”، وفي السياسة يعتبر هذا الموقف بداية للتراجع عن كل الشعارات السابقة، ولن يكون مفاجئا بعد اشهر او اسابيع ان نسمع يلدريم نفسه يقول لا مانع من وجود نظام الاسد على رأس الدولة الى الابد.
السؤال البديهي في هذه الحالة: ألم يكن من الأفضل منع مقتل 275 الف نسمة، ومئات آلاف الجرحى والمعوقين، إضافة الى نزوح وتهجير 12 مليون نسمة عبر اتباع الطريق الأقصر الى الحل وهو ترك السوريين يقررون مصير بلدهم ويختارون نظام الحكم الذي يشاؤون؟
منذ زمن قلنا ان المأساة الفلسطينية تتكرر حرفيا في سورية، ففي الأولى تسببت التجاذبات العربية وفقا لأهواء هذا الطرف أو ذاك بضياع فلسطين، وفي الثانية الأمر نفسه يحدث، حتى المقاومة في البلدين فضلت الفنادق على الخنادق، ولجأت الى سلاح التهويل الإعلامي الذي كان السبب الاول باساطيل مراكب الموت التي لا تزال تجوب عباب البحار، فيما يكتوي الملايين بنيران الحرمان والبؤس في مخيمات نزوح لا تصلح للعيش بينما شاشات الفضائيات تزدحم بمطلقي الشعارات عن حماية الارض والعرض والتحرير، والمتاجرة بالضحايا كما حصل اخيرا مع الطفل الحلبي عمران.
بعد 2000 يوم على الحرب في سورية، والتي كان هدفها رحيل الاسد، ها هي رأس الحربة تتراجع عن موقف رئيس جمهوريتها الذي اقسم انه سيصلي في المسجد الاموي بدمشق بعد تحريرها، وفيما الاسد لم يرحل، ها هي تركيا تتراجع عن موقفها، بعدما سقطت كل هذه الخسائر البشرية وعم الدمار، وتوافدت على سورية عصابات الارهاب من كل قارات العالم، ومن مختلف الاجناس والالوان والملل والمسميات كـ “داعش” و”النصرة” “وكتائب ابي فضل العباس” وجيش الفتح” و”حزب الله” وغيرها عشرات الفصائل والكتائب والفيالق الإرهابية التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية لم يسبق ان شهدت مثلها أي دولة في العالم.
نعم، أزفت ساعة الحقيقة للمكاشفة، والاعتراف ان المعالجات التي طرحت طوال السنوات الماضية عبر الطرق العسكرية لم تكن موفقة وحكيمة، وبات واضحا ان المتدخلين بالشأن السوري وقعوا ضحية أطراف، لم تكن خافية يوما، عملت على توريط الجميع في هذا المستنقع، فيما الاطراف الاقليمية لم تنظر في العواقب لان قرع طبول التهويل بالحرب الطائفية والحروب الاهلية اشعل حماستها، كأنها لم تطلع على التاريخ لتتعلم مما تسبب به زعماء دول انساقوا خلف عواطفهم واغراءات المجد الشخصي فتسببوا بالخراب لدولهم وشعوبهم.
أليس بسبب الانتقام لموت شخص واحد، هو ولي عهد النمسا، خسر العالم في الحرب العالمية الاولى نحو 40 مليون نسمة بين قتيل وجريح ومفقود، وجربت فيها الاسلحة الكيماوية، أليس، ايضا، بعد عقدين من الزمن تسببت سياسة هتلر النزقة وسعيه الى مجد شخصي بحرب عالمية ثانية راح ضحيتها 50 مليون قتيل، واستخدمت فيها القنبلة النووية التي لا تزال تأثيراتها المأسوية تتسبب بمآس للأجيال؟
المأساة السورية، ليست الاولى في العالم العربي، بل سبقتها العديد من مثيلاتها التي كان من الممكن ان تشكل درسا أقله للعرب، كالحرب في لبنان والصومال والعراق، فماذا استفادوا اليوم بعدما عادوا الى المربع الأول؟ لذلك ليتهم لم يفعلوها في سورية… وعسى أن يتعلموا الدرس.
الطفل عمران من مشفاه يهمس لكم قائلا: “اتركونا بحالنا فقد سئمنا تدخلاتكم”.

* أحمد الجارالله