ليلة القدر لن تكون صديقة للمُفسدين قراءة بين السطور

0 18

سعود السمكة

منذ الليلة الماضية دخلنا في العشر الأواخر من رمضان، وفي هذه الليالي تكتظ المساجد بالمصلين في سباق سريع للصفوف الأمامية والاعتكاف في المساجد واحتضان المصاحف لقراءة القرآن، الجميع يشترك في هذا السباق الوزير قبل الغفير، والمخدوم قبل الخادم، والجميع يعتقد أن ليلة القدر سوف تشمله ويُستجاب دعاؤه وطلباته، رغم ان بين هذا الجمع مسؤولا ووزيرا ونائبا وتاجرا، فالمسؤول الذي يستغل وظيفته لخدمة أغراضه وأهدافه وطموحاته على حساب حقوق الناس جاء إلى ليلة القدر يعرض مطالبه من دون ان يعرض عزمه على التوبة النصوح والتبرؤ من استغلال وظيفته لمصالحه الخاصة، وان يقنع نفسه انه في هذه الوظيفة ليكون خادما للناس وليس سيدا عليهم. والوزير الذي يخالف نظام البلد وقوانينه لخدمة الفساد والمفسدين ويستفيد من صفقات الوزارة لحسابه الخاص او حساب زوجته وابنائه، جاء ايضا يبحث عن ليلة القدر في المسجد بما يحمله من أثقال الأخطاء والخطايا والذنوب وظلم الغير، وإعلاء شأن الباطل على حساب الحق، وكأن ليلة القدر قدرها الله تبارك وتعالى لينعم بخيرها أصحاب الضمائر الممتلئة بالذنوب، البعيدون عن التوبة والتوقف عن الانحياز للباطل على حساب الحق. والنائب الذي وصل الى كرسي النيابة بالتزوير من خلال شراء الضمائر ليعوض ما دفعه من خلال استغلال وظيفته النيابية، حيث ينهمك في الفساد والافساد وتخريب البلد، تجده ايضا قد توضأ وذهب يزاحم عباد الله المخلصين في صفوف المسجد يرجو الفوز بليلة القدر من دون أن يشعر بخجل وهو يضع قدمه على عتبة المسجد من دون أن يعلن براءته بتوبة نصوح عن جميع الموبقات وفساد الحرام الذي مارسه ويمارسه حتى اللحظة.
اما الحكومة التي بالعادة يتوزع أعضاؤها على المساجد في العشر الأواخر بعد أن بدأوا صيام الشهر الكريم من اول يوم، ايضا يأملون ان تكون ليلة القدر من نصيبهم، هكذا بكل بساطة، من دون ان يلتفتوا وراءهم ليلتمسوا كم هي موازين الذنوب التي يحملونها من سكوتهم عن كم هائل من المحتالين والمزورين الذين حصلوا على الجنسية الكويتية، وعن التفاتهم عن مئات الآلاف من المزدوجين الذين يستحوذون اليوم على الصندوق الانتخابي، حيث يدفعون بعناصر نيابية فاسدة، وعن تسهيلاتهم لنواب الفساد الذين ينجزون معاملاتهم خارج إطار النظام والقانون على حساب الناس، وعن الذين حصلوا على شهادات جامعية مزورة، ومن خلالها حصلوا على مناصب قيادية على حساب العناصر الجادة، وعن استغلال الوزراء لمواقعهم فيضعون العنصر غير المناسب في المنصب القيادي على حساب الكفاءات المخلصة، وعن سكوتهم كحكومة مسؤولة عن نظام البلد وتطبيق قوانينه والحفاظ على استقراره وأمنه عمن يدعو جهارا ونهارا لضرب الوحدة الوطنية في صفوف المجتمع، من دعاة التمترس وراء جدار القبلية والطائفة على حساب الدولة ونظامها وقوانينها.
إن ليلة القدر، ايها السادة، إذا أردتموها فابحثوا عنها في ضمائركم، في عقولكم، في وجدانكم، في قلوبكم، في محاسبة انفسكم، فليلة القدر ليست ركوعا وسجودا، بل في البحث عن إنسانيتكم التي ضاعت في أروقة هوى النفس، وصالونات المتعة وسحر السطة وتذكروا حجم انحرافكم بهذه السلطة، وانعكاس هذا الانحراف على وطن، وعلى مستقبل انسان تدمر وتذكروا إبان انهماككم في التمتع بلذة التعسف باستغلال السلطة وآلة دمار البلد وضياع الاجيال، ابناء واحفاد من ضحوا بأرواحهم لأجل ان يولد هذا الكيان، وعليكم ان تتذكروا ايها السادة ان ليلة القدر لن تكون صديقة إلا لأصحاب الضمائر العامرة بتقوى الله، الخالية من الكبائر والظلم، وعلى كل واحد منا إذا أراد حقا أن يكون صديقا لليلة القدر فعليه أن يُعيد حساباته، ويعلنها سرا بينه وبين الله عز وجل توبة نصوحا خالصة لوجه الله تعالى. فهنيئا لكل من يستطيع كبح جماح شهواته استعدادا للتوبة النصوح، وتعسا لمن يستمر يلعق وحل الفساد ويعوم في بحر الحرام ويستمر بالظلم.

You might also like