رجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي المرشح الأوفر حظاً لخلافة خامنئي

مئات الآلاف شيعوا رفسنجاني وسط شعارات مؤيدة للإصلاحيين رجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي المرشح الأوفر حظاً لخلافة خامنئي

طهران ـ لندن – وكالات:
شارك مئات الآلاف في طهران، أمس، في تشييع رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد أركان الجمهورية الاسلامية الذي توفي الاحد الماضي عن 82 عاماً.
وأم المرشد الأعلى علي خامنئي صلاة الجنازة على رفسنجاني، المحافظ المعتدل الذي عرفه بموافقه البرغماتية، مشيداً بذكراه بعيد اعلان الوفاة رغم “خلافهما” في الرأي. ورافقه في الصلاة رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني وشقيقه رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني.
ونقل التلفزيون الرسمي الايراني التشييع بالبث الحي، حيث حمل بعض المشاركين صور رفسنجاني وخامنئي باسمين جالسين جنبا الى جنب. ورفعت سيدة لافتة كتب عليها “وداعاً أيها المناضل القديم”.
كما شاركت شخصيات من مختلف الاطياف السياسية والعسكرية في الجنازة التي جرت في حرم جامعة طهران، بينهم الرئيس المعتدل حسن روحاني وقائد “فيلق القدس” (العمليات الخارجية) في قوات “الحرس الثوري” اللواء قاسم سليماني.
ودفن جثمان الرئيس الأسبق في جنوب طهران في مرقد روح الله الخميني مؤسس الجمهورية الاسلامية في 1979 الذي كان مقرباً منه.
واعلن امس يوم إجازة وأغلقت بعض شوارع وسط طهران، وتم توفير وسائل النقل العامة مجاناً لافساح المجال امام سكان العاصمة للمشاركة باعداد كبيرة في الجنازة.
موسوي وخاتمي
ونشرت تسجيلات فيديو على مواقع التواصل بدا فيها شبان يتظاهرون في شوارع مؤدية الى جامعة طهران رافعين شعارات مؤيدة للمعارض مير حسين موسوي، الذي يخضع الاقامة الجبرية منذ 2011، وهو أحد قادة حركة الاحتجاجات في 2009 ضد اعادة انتخاب الرئيس المحافظ المتشدد محمود احمدي نجاد لولاية ثانية التي قمعتها السلطات بعنف.
كما أطلقت مجموعات صغيرة هتافات مؤيدة للرئيس الاصلاحي السابق محمد خاتمي الذي كان حليفاً مقرباً من رفسنجاني لتشكيل تحالف بين الاصلاحيين والمعتدلين.
وقال شاهد عيان من طهران ان “البعض كانوا يرددون شعارات تطالب بالافراج عن السجناء السياسيين وهتف بعض المتشددين قائلين الموت لاميركا. لكنهم لم يشتبكوا. الجميع كانوا محترمين”.
وفي ما يعد سابقة منذ قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين في 1979، وجه البيت الأبيض رسالة تعزية، حيث قال المتحدث باسمه جوش ارنست “كان الرئيس الأسبق رفسنجاني شخصية مرموقة في تاريخ جمهورية ايران الاسلامية والولايات المتحدة تقدم تعازيها الى عائلته واحبته”.
واضاف “كان شخصية مهمة في ايران. ولكني لن أتكهن بما سيكون لهذا من تأثير على السياسة الايرانية”.
وتشكل وفاة رفسنجاني، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مايو المقبل، خسارة كبرى لروحاني الذي استفاد من دعمه للفوز بالرئاسة ويفترض أن يترشح لولاية ثانية من اربع سنوات.
كما انها ضربة قاسية للمعسكر الاصلاحي والمعتدل الذي دعمه السياسي المخضرم الذي كان يتمتع بنفوذ واسع.
ويترتب على خامنئي ان يعين سريعاً خلفاً لرفسنجاني على رأس مجمع تشخيص مصلحة النظام، يشكل توجهه السياسي عاملاً حاسماً في توازن السلطة في مؤسسات الدولة التي يهيمن المحافظون على أغلبها.
خليفة خامنئي
ومع وفاة رفسنجاني، طفت إلى السطح في إيران تساؤلات عن خليفة خامنئي المحتمل، فيما كشف تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية، الصادرة أمس، أن رجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي وهو في السادسة والخمسين من العمر، وغير معروف بصورة كبيرة للعالم الخارجي، بدأ يبزغ نجمه بهدوء ليصبح الزعيم الأعلى في إيران.
وذكر تقرير الصحيفة، الذي كتبه الصحافي البريطاني (الإيراني الأصل) سعيد كمالي دهغان، تحت عنوان “المحافظ الذي قد يكون المرشد الأعلى المقبل لإيران”، أن رئيسي هو رئيس أكبر أثرى مؤسسة خيرية في العالم الإسلامي، والمؤسسة المسؤولة عن إدارة أهم المزارات المقدسة في إيران.
يشار إلى أن إبراهيم رئيسي هو سادن العتبة الرضوية المقدسة، المؤسسة الخيرية الأكثر ثراءً في العالم الإسلامي، والمنظمة المسؤولة عن أكثر أضرحة إيران قدسيةً.
وأشار التقرير إلى أن زعامة خامنئي ستسمر طالما بقي على قيد الحياة، لكن وفاة رفسنجاني أثارت تساؤلات عمّن سيخلف المرشد في حال وفاته، كاشفاً أن رئيسي ضمن الدائرة المقربة لخامنئي، لكن خبرته العملية محدودة نوعاً ما، وصعوده التدريجي في الآونة الأخيرة كان مصدر دهشة للكثير من المعلقين السياسيين.
وكان رفسنجاني كشف في مقابلةٍ صحافية في يونيو الماضي أنَّ شخصين فقط اختيرا مرشَّحين نهائيين للمنصب من قِبَل مجلس خبراء القيادة، الهيئة الدينية المسؤولة عن اختيار المرشد الأعلى المقبل، رغم أنَّه لم يكن هناك تأكيد رسمي.
وعند حدوث الثورة الإسلامية في 1979، كان رئيسي بالكاد قد بلغ مرحلة الرشد، لكنَّه تدرَّج بسرعةٍ بين مراتبها. وفي صيف العام 1988، كان واحداً من بين 4 قضاة شرعيين يقفون خلف الإعدامات الجماعية لليساريين والمعارضين.
وفي الآونة الأخيرة، كان رئيسي مُدَّعياً عاماً لإيران، وما زال يتولَّى قسماً مهماً جداً داخل القضاء باعتباره رئيساً للمحكمة التي تحاكم رجال الدين المثيرين للمشكلات.
ونقل التقرير عن حسين رسَّام، وهو مستشارٌ سابق لشؤون إيران في وزارة الخارجية البريطانية، قوله إنَّ وظيفة رئيسي الحالية تمثِّل قاعدةً قويةً لزيادة فرص قيادته، مضيفاً “إنَّه سادنٌ لضريحٍ يُمثِّل مقصدًا لملايين الزوار الشيعة كل عام، وأعتقد أنَّ ذلك مهمٌ للغاية”. وتُقدَّر أعداد الزائرين لضريح الإمام الرضا (في العتبة الرضوية) كل عام بنحو 30 مليون زائر.
وأوضح أن “لدى رئيسي أيضًا علاقاتٌ وثيقة بفاعلين رئيسيين في الجمهورية الإسلامية، بدءاً من المرشد الأعلى نفسه، وصولًا إلى الحرس الثوري. وتشير كل الدلائل إلى أنَّ فرصه في أن يصبح المرشد الأعلى المقبل تتزايد بسرعةٍ كبيرة”.
ولفت رسَّام إلى أنَّ رئيسي استفاد من تورُّط المرشحين المحتملين الآخرين لمنصب المرشد الهاشمي الشاهرودي وصادق لاريجاني (الرئيسان السابق والحالي للسلة القضائية) في قضايا فساد، وكذلك من بقائه بعيداً عن النزاعات الداخلية.
ورأى أنه ليس من المُرجَّح أن يُضِر دوره في الإعدامات الجماعية للمعارضين في الثمانينات بموقفه، مشيراً إلى أن الصور التي ظهرت لقادةٍ عسكريين بارزين أثناء جلوسهم بصورةٍ رمزية عند قدميه، خلال زيارتهم له في مدينة مشهد، أبرزت سلطته وقوته.
وخلص إلى أنه في ظل المناخ الحالي في إيران، يمتلك رئيسي “فرصةً كبيرةً للغاية في أن يصبح المرشد الأعلى التالي”.
بدوره، قال مرتضى كاظميان، وهو ناشطٌ سياسي بارز يعيش في المنفي في باريس، إنَّ علاقات رئيسي بـ”الحرس الثوري”، ووكالات الاستخبارات، ودائرة خامنئي المقرَّبة، بما في ذلك ابنه مُجتَبى، جعلته الأوفر حظًا ليكون المرشد الأعلى المقبل.
وأضاف إن “فرص رئيسي أعلى، لكن ما سيحدث في اليوم الذي يموت فيه خامنئي يعتمد كثيراً على التوازن السياسي الذي سيكون قائماً في تلك اللحظة”.
حظوظ روحاني
من جهته، اشار محسن كاديفار، الذي درس في حوزة قُم، أبرز المراكز الدينية الشيعية في إيران، وهو الآن أستاذٌ باحث في جامعة ديوك بالولايات المتحدة، إلى ملحوظةٍ أكثر تحفُّظًا، موضحاً أنه على الرغم من أنَّه يرى رئيسي كمرشَّحٍ محتملٍ، إلّا أنَّه يعتقد أنه لا توجد إشاراتٍ كافية إلى اعتباره المرشَّح الأوفر حظًا.
وحذّر من أنَّ “سلطة خامنئي فعَّالةً طالما أنَّه حي، لكن بمجرد وفاته، ربما تتغير كل الولاءات السياسية، ما يجعل كل الحديث عن المرشَّحين المُحتمَلين مجرد تخمين”، مضيفاً ان فرص الرئيس الحالي حسن روحاني “أكبر بكثيرٍ من الآخرين. فلديه الخبرة، والعلم الإسلامي، والمصداقية في أوساط النُخَب”.
وأخيراً، ثمة نظرية ترى أنَّ خامنئي قد يُحدِّد مدة ولاية منصب المرشد الأعلى بعشر سنوات، ما يجعل من المرشد الأعلى المقبل أقل نفوذاً. وفي حين يعتقد الكثيرون أنَّ شخصيةٍ كخامنئي ستكون راغبةً في اختيار خليفتها بنفسها، يعتقد رسَّام أنَّ خامنئي سيترك القرار إلى المقرَّبين منه، وسيصادق مجلس خبراء القيادة ببساطة بصورةٍ شكلية على ذلك الترشيح.

حشود من الإيرانيين خلال جنازة رفسنجاني في طهران (أ ف ب)

حشود من الإيرانيين خلال جنازة رفسنجاني في طهران (أ ف ب)

Print Friendly