ماأحــوجــنا إلى أخلاق عـروة!

أحمد الدواس

أحمد الدواس*

كان أحد الباعة الهنود يدخل سوق القرية بعربته كل أسبوع ليبيع الخضراوات، فيدفع للشرطي مئة روبية (نصف دينار تقريبا) حتى يسمح له بالبيع. وقصة أخرى عن زوجة يضربها زوجها، ولما تذهب لرفع قضية ضده يدفع الزوج رشوة لضابط المخفر فيغير أقوالها، حتى إذا وقفت أمام القاضي وجدت أنها لا تملك دليلاً ليحكم القاضي بسجن الزوج، وحتى تستخرج حُكم المحكمة عليها ان تدفع لأحدهم بدائرة القضاء 500 روبية، وإلا عليها ان تنتظر أشهراً عدة، وتقول إن بإمكانها رشوة القاضي ليصدر حكماً لصالحها، لكن الزوج سبقها وقدم رشوة للمحامي والقاضي فبرأته المحكمة.
في أفريقيا كان صاحب سيارة الأجرة يعبر جسراً للانتقال للمنطقة الأخرى فيدفع رسم عبور للحكومة، ولكن لأن السائق يذهب ويأتي مرات عدة باليوم لذلك رأى ان يدفع مرة واحدة مبلغاً من المال للشرطي المرابط على رأس الجسر حتى يتنقل جيئةً وذهابا أكثر من مرة ، فقبل الشرطي بهذا الاتفاق، وهكذا فمعنى الفساد باختصار «ان يستغل الأشخاص مناصبهم من أجل الكسب المادي»، كالشرطي والقاضي في المثال الهندي.
من صور الفساد كذلك ان يستغل بعضهم منصبه لتحقيق منفعة شخصية لنفسه أو لجماعته، كأن يقبض عمولة من مناقصة حكومية أو رشوة، أو يعين أقاربه وأصحابه في إدارات الحكومة، أو أن يحدث تضخم مفاجئ في حسابه المصرفي، وبالاطلاع على أحوال العالم يتبين للمرء أن لا دولة في منأى عن الفساد، والفساد أحد مظاهر سوء الإدارة الحكومية ويرتبط بضعف المحاسبة، وهناك دراسات تحاول القضاء عليه أجراها «مركز كوبنهاغن لإجماع الرأي»، والحاصلون على جائزة نوبل للاقتصاد، والبنك الدولي وغيرهم، وهناك آراء تقول: «الفساد لا يولد مع المرء بل عندما لا يجد المسؤول أحداً يقف في وجهه ويقول له توقف لاتفعل ذلك».
ربما لانلوم شعب الهند وشعوب أفريقيا فالكل يعرف ظروفهم المعيشية ، ولكن لماذا يحدث في بلدنا الفساد؟ ان الكويت هي الأكثر فساداً خليجياً وفق تقرير لمنظمة الشفافية الدولية للعام 2016 ، فالفساد يضرب وزارات الدولة ناهيك بشراء الود السياسي، وأصبح البلد ينحدر بسبب الفساد، بينما تتعاقب الحكومات بشعارات جوفاء، وما ان يرفع النائب صوته بوجه الحكومة حتى ترتعد فرائصها فتطلب هذه ود المجلس».
بعض الصور تبين فساد الحكومة، كمحاباتها للتجار واعتماد المقاول المحلي لبناء المشاريع حتى أصبح شكل شوارعنا ومطارنا كحال الدول المتخلفة، بينما دول الخليج تتفق رأساً مع ألمانيا أو السويد مثلاً لإنشائها ، فالمسافر بمطار أبو ظبي يشعر بأنه بمطار فرانكفورت أو هلسنكي، وفي بلدنا لايتم تعيين الوزير حسب كفاءته وإنما ضمن ترضيات سياسية، ومن بيننا مسؤولون أقسموا أمام الله بأن يؤدوا واجبهم بالذمة والشرف، ثم ينكثون بقسمهم أو يستغلون مناصبهم لتحقيق منافع مادية، كما نجد ان بعض النواب يدخل البرلمان حافياً أو على قد حاله، ثم نكتشف تورم حسابه البنكي بما يزيد عن المليون دينار وقد باع ضميره وأخلاقه ، وبعض المخلصين والشرفاء منا ممن يخافون الله سبحانه ما عندهم ثمن سيارة نيسان، أو حتى وانيت.
قبل فترة كتب أحد الإخوة مقالا بـ”السياسة” يرى فيه ان القانون يجب ان يكون حازماً في المجتمع ضد السلوكيات السيئة كالعنف والمشاجرات، هذا صحيح، لكننا نعتقد ان زرع الأخلاق الفاضلة يسبق فرض القانون، ففي كويت ما قبل الاستقلال وبعده لم تكن سلطة القانون قوية، ومع ذلك كانت هناك أخلاق فاضلة ومجتمع طيب ورائد في جميع المجالات الثقافية والرياضية والفنية، ولم نسمع عن الرشوة وانحدار الأخلاق ،فالمجتمع لم يكن محتاجاً لسلطة قوية تفرض القانون، هذه أمثلة عن فساد الذمم، يقول سقراط: «التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه».
من تاريخ العرب نجد أنه لما دخل عروة بن محمد «اليمن» والياً عليها، قال: يا أهل اليمن هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها فأنا سارق، هكذا كان العرب رجالاً يخشون الله ويتقونه يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبهم الناس، أما عندنا فيدخل الوزير أو النائب مقر عمله حافيا ويخرج غنياً، والمخلص الشريف لايملك ثمن وانيت.
*سفير كويتي سابق
aldawas.ahkwt@yahoo.com