نساء جاسوسات

مارسن أعمالاً قذرة تسهل لهن الحصول على المعلومات وبعضهن اعتبرن بطلات نساء جاسوسات

أرمجاد الألمانية أوقعت رئيس المخابرات الأميركية في حبائلها لصالح بلادها … وأربكت واشنطن ما اضطرها لمراقبة محطة برلين

تسيبني ليفني أقامت علاقات غرامية مع عرب للحصول على معلومات

ليست الجاسوسية عملا مستجدا رغم تطور ادواتها في العصر الحديث، انما هي وجدت منذ قديم الزمان، وقد كتب عنها الكثير، أكان لجهة تأثيراتها وفعاليتها في الحروب، واختلفت النظرة اليها حتى بين القادة الذين استخدموا الجواسيس في كل حروبهم، اذ كان بعضهم ينظر اليها على انها من الشجاعة والبطولة كما هي حال الملك البريطاني جورج الخامس، او الازدراء وفقا لما يروى عن الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت الذي رفض منح ابرز الجواسيس الفرنسيين وسام “جوقة الشرف” وقال لكارل شولميستر: “ان اعمال الفروسية التي وضع لها الوسام لا تتماشى مع ما يفعله الجاسوس”.
صحيح ان الكثير من الرجال اشتهروا بالتجسس وخلدوا في هذا المجال، لكن هناك نساء مارسن هذا العمل ونلن قسطا وافرا من الشهرة، ورغم ما كتب عنهن ايضا الا ان هناك جوانب عدة من حياتهن بقيت غامضة.
عن هذه الجوانب كتب اللواء المصري عادل شاهين كتابه “المرأة والجاسوسية” الذي سيصدر قريبا عن “مؤسسة الاهرام” ولقد اختارت “السياسة” بعض فصول الكتاب لتنشرها على حلقات قبل طرحه بالاسواق، وهي تنشر هذه الفصول حصريا بالتنسيق مع مركز الاهرام للترجمة والنشر ووكالة الاهرام للصحافة.
يتضمن الكتاب معلومات كثيرة ووقائع تاريخية واحداثا عن نساء عدة انخرطن في اعمال التجسس وشاركن في اعمال الاستخبارات، كالخطف والاغتيالات والتفجير اضافة الى نقل المعلومات، وكثيرات منهن القي القبض عليهن وحوكمن واعدمن، بينما بعضهن استردتهن دولهن وعشن حياتهن بعيدا عن الاضواء، وفي ما يلي حكاية بعض النساء اللواتي اشتهرن في هذا المجال:

تأليف – لواء دكتور عادل شاهين:
في معرض توظيف مهارات المرأة لتحقيق هدف ما من أهداف الجاسوسية وجمع المعلومات. فإن دورها المخطط ينبغي أن يكون محددًا ومقننًا في شكله وموضوعه، وينتهي بانتهاء تحقيق الغاية والهدف.كما أن استخدام النساء كعميلات في أعمال الجاسوسية غالبًا ما يحتوي على كثير من المخاطر، خصوصا إذا كانت من تعمل في الجاسوسية تهمها أنوثتها أكثر من عملها كمحترفة لتنفيذ مهمة سرية محددة في عملية سرية. فالواقع أن هذا النوع من النساء لا يفضل الاستعانة بهن، بل يجب أن تخضع المرأة التي من هذا النوع إذا ما اضطر إلى الاستعانة بها يجب أن تخضع لمتابعة واختبارات دقيقة بل ويكون دورها في أضيق نطاق، لأن تركيزها سيكون دائمًا محصورًا في الزهو والاعتزاز بنفسها دون التركيز على المهمة الأساسية المكلفة بها.
وفي مجال النساء اللاتي تستهويهن أعمال الجاسوسية قد يصادف رجل المخابرات إحداهن، وهو بصدد البحث عن امرأة يوكل إليها دورًا محددًا في عملية من عملياته السرية بحثًا عن المعلومات، أو لتحقيق هدف سري معين. هذا النوع من النساء هو ما يعرف (بالعميلات المغامرات اللاتي تستهويهن الشهرة والمال في المقام الأول).
وهنا لا يفضل التوجه للاستعانة بهذه النوعية من النساء. بل يتوجب على ضابط المخابرات أن يُخضع المرأة التي من هذا النوع والتي قد يكون مضطرًا للاستعانة بها لاختبارات عديدة، وملاحظة ومتابعة مستمرة للتأكد من مدى التزامها وتقيدها بالتعليمات والضوابط.
كما نشير أيضًا في مجال العمل المخابراتي فإنه من الأهمية بمكان أن يكون لضابط المخابرات عميلة أو أكثر من مسرح العمليات المنتظر. ويقصد بذلك الدولة أو المدينة التي يتوقع أن تكون مسرحًا لعملية مستقبلية ويطلق على هذه النوعية من عميلات المخابرات (الحاضنات النائمات). وهنا تكون هذه النوعية من العميلات في حالة سكون دائم قد يستمر عدة شهور أو سنوات ريثما تجيء اللحظة الحاسمة للاستعانة بها. كما يجب أن يحرص القائم بالتشغيل على استمرار التواصل مع هذه النوعية من العميلات لضمان استمرار ولائها.
وهناك نوع آخر من النساء اللاتي قررن أن يسلكن أقرب الطرق وأسهلها – من وجهة نظرهم – للانخراط في أعمال الجاسوسية.. من خلال قيامهن بوضع خطة للاقتراب أو التلامس مع شخصية ما تعمل في مجال أعمال المخابرات، وما أن تحين لحظة ضعف الرجل أمام أساليب هذا النوع من النساء فتنقض عليه تشع بنور أنوثتها عليه فيقع في فخها، وهنا قد تنجح، أقول قد تنجح في أن يبدأ مشوار انخراطها بإرادتها وتدبيرها في نشاط عالم الجاسوسية.
“أرمجارد شميدت “واختراق مركز المخابرات الأميركية في برلين الغربية:
وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى قصة (أرمجارد شميدت) عميلة رئيس خدمة الجاسوسية في ألمانيا الشرقية (أرنست فولفيير) تلك المرأة التي تتمتع بقدر وافر من السحر والجمال الذي لا تخطئه العين.
ففي شهر مايو من العام 1953 دخلت (أرمجارد شميدت) رئاسة المخابرات الأميركية في برلين مدفوعة من (أرنست فولفيير)، ونجحت في التغلغل في جهاز المخابرات الأميركية بلباقتها وذكائها وأنوثتها، واستطاعت أن تحصل على وظيفة “سكرتيرة خاصة”للمقدم “ويلبور ريتشارد”رئيس مركز المخابرات الأميركية في برلين الغربية وبدأت خطة تحقيق أهدافها.
ففي أحد الأيام لاحظت على رئيسها علامات الكآبة، والحزن، والاضطراب، وهنا توهجت غريزتها الدفينة وقررت أن تنقض على فريستها في هذه اللحظة، فاقتربت منه أكثر فأكثر وبدأ عطرها وكأنه طيف استفاقة قد ألم به، وفي نفس اللحظة كانت يداها تداعب جبهته ثم وجهه، وهي تهمس همس المرأة اللعوب، ومن ثم بدأ الرجل يستعيد طاقته وحيويته رويدًا رويدًا، فما كان منه إلا أن التقط بيديه هو الآخر يديها ونهض من مكانه وبدأ يتلمس وجهها، ففي اللحظة التي كان يقربها منه شيئًا فشيئًا حتى كاد لهيب أنفاسه في وجهها يؤجج شعورها ورغبتها في الارتماء في أحضانه، وفي نفس اللحظة كانت شفتاه تلتقط بمهارة بالغة شفتيها لتبثها مذاقًا كانت تتوق إليه، وبدأ جسدها يتلوى في دلال وهيام بين ذراعيه.
وتواصلت لقاءات (أرمجارد) مع (ويلبور) على فراش دافئ تذيقه كل ألوان المتع الجنسية حتى استسلم لها تمامًا وأصبح لا يطيق بعدها رغم أنه كان متزوجًا ويكرس حياته لعمله وأسرته.
وهكذا نجحت (أرمجارد) في أن تزرع نفسها في أخطر مكان استطاعت منه أن ترسل إلى (فولفيير) كثيرًا من المعلومات، لدرجة أن رئاسة المخابرات المركزية الأميركية أحست بتسرب كثير من المعلومات من مركز المخابرات الأميركية في برلين الغربية إلى ألمانيا الشرقية.. ووضعت خطط تركز على متابعة كل العاملين في هذا المركز، وبالطبع اتجهت الشكوك التي صحت وتأكدت بعد ذلك في أن (أرمجارد شميدت) قد تمكنت من رئيسها المقدم (ويلبور ريتشارد) رئيس مركز المخابرات الأميركي.. وقدمت للمحاكمة أمام المحكمة العليا في برلين التي قضت في 30 من ديسمبر 1954 بسجنها خمس سنوات جزاء توصيل معلومات عسكرية إلى السوفييت ولمنطقة (فولفيير) في برلين الشرقية.

الاستدراج والاصطياد
ومن المهام السرية التي تكلف بها المرأة – خصوصا ذات الجمال الأخاذ – مهمة “الاستدراج “أو “الاصطياد “لأي شخص ترغب أجهزة المخابرات في السيطرة عليه ولو لمساحة من الوقت تستطيع فيها تنفيذ عملية تجسس، ومن ذلك مثلًا توجيه العميلة للاقتراب وفقًا لخطة مدروسة لاستدراج الحارس الذي يقوم بالسهر على حماية وتأمين مكان حساس وخطير مثل المقار الدبلوماسية أو مقر القنصليات إلى مكان بعيد عن مقر عمله كمطعم مثلًا أو ما شابه ذلك من أماكن الترفيه بهدف إتاحة الفرصة لإتمام عملية اختراق هذا المكان بواسطة رجال المخابرات، وقد حدث هذا كثيرًا، وبصورة ناجحة ضمن نشاط كثير من أجهزة المخابرات العالمية.
ويرصد نشاط جهاز الموساد الإسرائيلي في أسلوب اصطياد العميل استخدامه لعناصر نسائية مدربة وخاصة من تتمتع بالجمال وتوجيههم إلى الأماكن العامة التي ترتادها الجاليات العربية خاصة المصريين وهنا تكون المهمة سهلة خاصة بالنسبة لأولئك الذين يعانون من عدم الحصول على فرصة عمل، وقد وقع في شباك حسناوات الموساد العديد من الجواسيس منهم على سبيل المثال: الجاسوس سمير خليل جرجس الذي استغلت المخابرات الإسرائيلية وجوده في الخارج بدون عمل، ووضعت خطة لاصطياده كان من أبرز عناصرها إغوائه من إحدى عميلات الموساد، وقد حوكم عام 1962 وقضي عليه بالإعدام. وعلى نفس الأسلوب سقط أيضًا في فخاخ الموساد الجاسوس عمر الفاروق زيان الذي كان يعاني أثناء وجوده في الخارج من عدم العمل وقد تم ضبطه بواسطة المخابرات المصرية عام 1961، وتمت محاكمته أمام القضاء وسجن.

السيدة “ماتيلدا كريم”:
الواقع أن استخدام المرأة في عمليات المخابرات السرية بغية الحصول على المعلومات السرية والدقيقة لم يقتصر فقط على الدفع بامرأة لاصطياد مسؤول أو أي شخص في عملية تجسس محددة الأهداف، بل رأينا كيف أن المخابرات الإسرائيلية استهدفت رؤساء دول حتى ولو كانت صديقة واستخدمت هذا الأسلوب للحصول على المعلومات فالسيدة ماتيلدا كريم امرأة تعرفت على الرئيس ليندون جونسون، وكان سنها 38 سنة والرئيس جونسون 58 سنة، وكانت متزوجة من سويسري، وأمها إيطالية، وقد وقع الرئيس ليندون جونسون في غرامها واستقدمها للإقامة هي وزوجها إلى البيت الأبيض، وقد كان مندوب الموساد في واشنطن سنة 1967 وراء دفعها للاقتراب من الرئيس الأميركي.
وفي هذا السياق كانت القصة الشائعة التي وضعت الرئيس الأميركي بيل كلينتون في مأزق كان مثار حديث العالم بأسره بعد كشف حقيقة الدور الذي لعبته اليهودية المتدربة في البيت الأبيض “مونيكا ليونسكي “والتي تدل على مدى اعتماد جهاز الموساد على النساء في عمليات التجسس للحصول على المعلومات، فالمرأة اليهودية كانت ولا تزال أداة جهاز الموساد الإسرائيلي الذي اعتمد منذ تأسيسه، وحتى اللحظة اعتمادًا تامًا على أجساد النساء، وبالتحليل نجد أن خطورة فتاة الموساد تكمن في كونها حذرة للغاية فهي لا تقدم نفسها على أنها إسرائيلية أبدًا، ولذلك يقوم جهاز الموساد بتجنيد النساء اللواتي عشن لسنوات طويلة في الدول الغربية قبل هجرتهن إلى إسرائيل.

السيدة تسيبني ليفني:
طالعتنا منذ قرابة عام مضى مجلة “النيوزويك “الأميركية بنشر اعترافات الوزيرة الإسرائيلية السابقة “تسيبني ليفني “والتي بدأت رحلة شبابها وهي عضو بجهاز الموساد الإسرائيلي وكانت تعمل تحت غطاء جنسية أخرى وتمارس علاقات جنسية مع بعض الشخصيات العربية، وغيرهم من الجنسيات الأخرى بهدف الحصول على المعلومات التي تهم الموساد. وقالت في نهاية اعترافها “لو طلب مني الآن أن أقوم بهذا العمل من أجل صالح إسرائيل لأقدمت عليه”.
ومن المتصور أن الشخصيات العربية التي وقعت في هذا الفخ قد صورت في أوضاع مخلة لإمكان ابتزازها للحصول على المعلومات.

عملية الموت الصامت:
وفي مجال الأدوار الإيجابية للمرأة في إنجاح بعض أعمال الجاسوسية، أو تنفيذ المهام والعمليات السرية نعرض لعملية “الموت الصامت “وهي عملية اغتيال المناضل الفلسطيني “محمود المبحوح “حيث اتضح أن المخابرات الإسرائيلية كانت تقتفي أثره لحظة بلحظة حتى تسنح الفرصة لاغتياله حتى لو تواجد في أي دولة أجنبية ولكن بشكل صامت لا يترتب عليه إثارة مشكلة مع أي دولة يتواجد فيها الهدف، وكانت تسجيلات الكاميرات التي كانت تغطي جميع أرجاء الفندق الذي كان يقيم فيه بإمارة دبي أثبتت أن ضمن فريق تنفيذ المهمة التي أقدم على تنفيذها جهاز الموساد الإسرائيلي عدد من النساء كن يتواجدن داخل الفندق كمقيمين عاديين، وجاءت صورهن تفضح ارتدائهن لملابس رياضية خلال تجولهن في بهو الفندق وكذا انتظار المصعد للقيام بواجب مراقبة الهدف والإخطار بصورة سرية عن لحظة تحركه إلى الحجرة التي كان يقيم فيها هذا بالإضافة إلى أن ذلك يعطي غطاءً لباقي فريق تنفيذ المهمة أنهم قد قدموا لدبي للسياحة.. والواقع أن هذا الدور وإن كان قد بدا أنه انحصر في واجب الاشتراك في (المراقبة). إلا أنه ولا شك كان دورًا مرسومًا في خطة تنفيذ العملية وساهم في نجاح تنفيذ هدفها.

الفتاة”ساندي” واصطياد”فانونو”:
تجدر الإشارة إلى الدور الذي قامت به فتاة تدعى (ساندي) في استدراج (فانونو) الموظف السابق في إحدى المنشآت النووية الإسرائيلية والذي سافر إلى الخارج وأفشى أسرار ما تقوم به إسرائيل في هذا المجال واستطاعت “ساندي “وهي فتاة إيطالية يهودية أن تستدرجه إلى نزهة في يخت خاص والذي دخل بهما إلى مسافة طويلة داخل البحر الأبيض المتوسط، وهناك كانت إحدى السفن الإسرائيلية – تحت علم دولة أخرى – تنتظر في عمق البحر حيث تم القبض عليه ونقله إلى إسرائيل لمحاكمته.

المرأة… ودور محدد في عملية جاسوسية:
ومن الأدوار الإيجابية (للمرأة) في المساعدة أو المساهمة في أي عملية تجسس نشير إلى تكليف المخابرات الإسرائيلية لفتاة يهودية تحمل جنسية غربية في تجنيدها وتكليفها بدور محدد في خدمة إحدى عمليات التجسس والذي كان الخائن فيها هو الطيار فؤاد محرم، وخلال متابعة العملية بواسطة المخابرات المصرية رصدت المتابعة حضور إحدى الفتيات بساتر السياحة إلى مصر في زيارة امتدت لحوالي أسبوع، وكانت قد أحضرت معها سيارة فولكس واجن لتقدمها كهدية مرسلة من المخابرات الإسرائيلية إلى فؤاد محرم – كنوع من المكافأة على تعاونه.. وبالطبع كان مصير هذه السيارة إلى الاستيلاء عليها بواسطة المخابرات العامة المصرية بعد القبض على الجاسوس ومحاكمته وإعدامه.

البشر… ليسوا من طينة واحدة:
الواقع أن البشر ليسوا من طينة واحدة، ومن الرصد التاريخي للدور الوطني الذي تقوم به المخابرات العامة المصرية، في حماية الوطن من أعمال الجاسوسية الموجه للإضرار بالأمن القومي المصري تجدر الإشارة – بشيء من التفصيل – لدور إحدى النساء المصريات اللاتي لم تقع في الشباك: وتبدأ القصة بنشاط من كان يدعى (محمد إبراهيم فهمي كامل) والذي كان يلقب بـ (ماريو) ومهنته ميكانيكي يتاجر في شراء وبيع السيارات وكذا قطع غيار السيارات، وكان نشاطه الواسع في هذا المجال يتركز مع أفراد الجالية الإيطالية بالإسكندرية ومن ثم كان يجيد التحدث بالإيطالية. وكان متزوجًا من امرأتين إحداهن في الإسكندرية والأخرى في القاهرة في حي “الدقي “وبعد سفر الإيطاليين من الإسكندرية ساءت حالته المالية فقرر السفر إلى ميلانو للبحث عن عمل هناك.
وكانت مدينة “ميلانو “محطته الأولى في إيطاليا حيث أخذ في البحث عن أصدقائه القدامى من الإيطاليين، والذي ساعده أحدهم في الالتحاق بعمل في شركة “راداتيكس “ومن ثم حصل على إقامة في إيطاليا، وتحسنت حالته المادية نوعًا ما وأخذ ينتقل بين ميلانو، وروما، والإسكندرية.
وفي إحدى سفرياته من ميلانو إلى روما قابل صديق إيطالي قديم كان يقيم في الإسكندرية عام 1952 واسمه (ليون لابي) ودعاه الأخير إلى مقابلته في مكتبه الكائن في ميلانو، شارع أوروبا رقم 12، الطابق الثاني خاصة بعدما علم منه أنه يعاني من قلة الدخل لمواجهة الالتزامات التي يواجهها خاصة أنه متزوج في مصر من امرأتين. وذهب ماريو في اليوم التالي إلى العنوان، ليجد فوق الباب (نجمة إسرائيل السداسية) وعلى اليسار لوحة مكتوب عليها باللغة الإنجليزية (القنصلية الإسرائيلية) ومع ذلك قرع الجرس ففتحت له سكرتيرة جميلة الباب، وسألها عن “لابي “فاقتادته إلى مكتبه الفخم واستقبله (لابي) بالترحاب وحدثه عن عمل له سيدر عليه ربحًا كثيرًا واتفقا في نهاية اللقاء على مقابلة ثانية في “فندق ريتز “في روما.
وفي الموعد المحدد كان”لابي” ينتظر ماريو في بهو الفندق وقد حجز له جناحًا للإقامة، وتركه بعد أن تناول معه الغداء ليستريح على موعد لقاء في اليوم التالي حيث حضر (لابي) وبصحبته شخص آخر قدمه لماريو باسم (إبراهيم) الذي كان يجيد التحدث باللغة العربية وقدم نفسه لماريو بأنه يعمل في المخابرات الإسرائيلية في تخصص (محاربة الشيوعية)، وأن القسم الذي يعمل به يحتاج إلى ضم عناصر موثوق فيها للمعاونة في هذا المجال، من خلال تقديم معلومات على مدى تغلغل الشيوعية في البلاد العربية وخصوصا مصر مقابل راتب شهري 300 دولار أميركي، وقام الأخير بتدريب ماريو على كيفية القيام بالمهمة مع تدريبه على الكتابة بالحبر السري، والتصوير، وطرق إخفاء التقارير والوثائق.
بدأ ماريو العمل فركز على المصريين الذين يحضرون إلى إيطاليا لأي أغراض خصوصا أولئك الذين كانوا يحضرون لشراء سيارات أو قطع غيار للسيارات وكذلك الطلبة ورجال الأعمال المصريين الذين كانوا يأتون إلى إيطاليا فمن خلال لقاءاتهم به كان يحصل على معلومات عن النواحي الاقتصادية في مصر وغيرها من المعلومات، ويقدم تقارير بما يحصل عليه من معلومات الأمر الذي أدى إلى زيادة الثقة به في أداء مهمته، فطُلب منه أن يقوم بتجنيد من يراه مناسبًا من المصريين للعمل معهم، فتذكر فتاة مصرية مثقفة سبق أن قابلها بالقاهرة وأخبرته برغبتها في شراء سيارة من إيطاليا لتشغيلها تاكسي لتزيد دخلها المادي لتستعين به على مواجهة الحياة، كما أنها لا تمانع في العمل إذا وجد لها عملًا مناسبًا، فكتب لها رسالة طلب فيها حضورها فورًا إلى روما، وفعلًا حضرت الفتاة التي استقبلها ماريو وأخذ يتجول بها في أماكن بيع السيارات واستغل عدم معرفتها باللغة الإيطالية فكان يتعمد رفع أثمان السيارات، وأخيرًا اشترى لها سيارة فيات 125 بجميع ما لديها من مال، حتى أنه لم يبق لديها أجرة شحن السيارة إلى الإسكندرية.
وظلت السيارة تقف أمام الفندق لأيام وهي في حيرة كيف ستقوم بشحن السيارة وهي لم يعد معها أي مال، وتعمد ماريو عدم الحضور لمقابلتها عدة أيام حتى يزيد من معاناتها حتى تخضع في النهاية لخدمة المخابرات الإسرائيلية.
وبعد مضي أيام حضر لها في الفندق واعتذر لها بأنه كان خارج مدينة روما في عمل ودعاها على العشاء في مطعم فخم وأثناء العشاء كان يجلس على مقربة منها شخص في الأربعينات، تقدم إليها بأدب شديد وسألها: هل تمانع إذا طلب من إدارة المطعم أن تغلق جهاز التدفئة حتى لا يصابون بالبرد عند خروجهم من المطعم ومواجهة الجو البارد، فلم تمانع وهنا بدأ التعارف بين هذا الأخير والفتاة وماريو، وفي نهاية العشاء أصر ماريو على دفع الحساب، ولكن الرجل الآخر رفض ذلك إلا إذا قبلا دعوته على العشاء في اليوم التالي وقبلا الدعوة، وبعد العشاء أوصلهما بسيارته إلى الفندق، وفي الطريق كان الحديث يجري بينهم جميعًا باللغة الإنجليزية، وأوضحت فيه الفتاة أنها هنا في روما للبحث عن عمل، فوافق الرجل على مساعدتها في اليوم التالي للحصول على وظيفة، واعتذر ماريو عن حضور اللقاء باكر بحجة أن لديه ارتباطًا خارج مدينة روما. بينما قبلت الفتاة بأن تقابل الرجل وحدها في أحد المطاعم حيث أخبرها خلال اللقاء بان لديه (مؤسسة مالية) تستثمر الأموال في المشاريع الاستثمارية، وأنه سوف يجعلها مندوبة المؤسسة في القاهرة، وطلب منها السفر فورًا إلى القاهرة وموافاته بمعلومات عن الحالة الاقتصادية هناك، لأن مؤسسته تريد الاطمئنان قبل أن تفتح فرعها بالقاهرة.
وفي اليوم التالي مباشرة لهذا اللقاء ظهر ماريو، وأخبر الفتاة أنه شحن لها السيارة وسلمها بوليصة الشحن، كما أخبرته بأمر الرجل والعرض الذي تلقته منه فبارك هذا وأخذ يشجعها بأن تغتنم الفرصة ولا تضيعها.
والواقع أن ماريو وصديقه ضابط المخابرات الإسرائيلية الذي طلب من الفتاة المعلومات عن الحالة الاقتصادية في مصر.. نسيا أن البشر لم يخلقوا من طينة واحدة.. فماريو قد خان وطنه وباع ضميره للإسرائيلي بينما تلك الفتاة المصرية المثقفة كان قد خالجها الشك في سلوك أمر هذا الرجل وتعاونه مع ماريو.. وبمجرد وصولها إلى القاهرة توجهت لمقر المخابرات العامة المصرية لتبليغ ما وقع لها وما تشعر به من شكوك وكانت المفاجأة أنها وجدت أن كل ما قام به ماريو وعلاقاته المتعددة مع المخابرات الإسرائيلية هو بالفعل موجود لدى المخابرات المصرية، وعرض عليها صورة ماريو.. وصورة صديقه ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي قابلها في المطعم، ورسمت المخابرات المصرية خطة لاصطياد ماريو.. وقادته قدماه ليعود إلى القاهرة ليجد المخابرات المصرية تستقبله من سلم الطائرة لتنتهي قصة المرأة المصرية التي لم تبع وطنها مقابل حفنة من المال والتي لم تقع في الشباك.
مدى اهتمام أجهزة المخابرات الأجنبية بضم عناصر نسائية للعمل بها كضباط مخابرات محترفين:
من المعروف أن عدد وكالات المخابرات الرئيسية في المخابرات الأميركية الـ (C.I.A) يصل إلى 61 جهازًا فرعيًا، ويشكل العامل النسائي 83% من إجمالي قوة العمل بقطاعات المخابرات الأميركية المختلفة، وبسبب ضغوط العمل السري يشيع الزواج بين ضباط، وضابطات الوكالة المركزية وفي عهد (وليام وبستر) الذي شغل منصب مدير وكالة المخابرات الأميركية في مايو 1987 ولمدة أربع سنوات قامت وكالة المخابرات الأميركية بتشغيل وترقية أكبر عدد من النساء. كما أن 72% من أبرز المناصب في أكبر ست وكالات مخابرات أميركية تتولاها سيدات.
والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة منعت النساء من العمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي حتى عام 1972، أما السوفييت فكان استخدام النساء عندهم في الـ KGB يتم على نطاق واسع، ويجري تدريبهن على الطرق الخاصة في انتزاع الأسرار والمعلومات من الرجال، حيث إن الإغراء كان أحد المواد التي تدرس في معسكرات التدريب إلى جانب قراءة الخرائط وأعمال التخريب، والتدريب على استعمال الأسلحة المختلفة، والتدريب على رفع الكفاءة البدنية واستعمال القوة للدفاع عن النفس كما كان التدريب يهدف إلى تخليص النساء العضوات في جهاز المخابرات من أهم العيوب ومنها: إقامة علاقات غير صحيحة ومبالغ فيها، كما كان التدريب يشمل تجنيبهم الوقوع في غرام عاطفي مع الرجال الذين يكلفن بمراقبتهن.
أما في إسرائيل فإن نسبة تشغيل النساء في الموساد كضابطات تصل إلى 20% من إجمالي العاملين بالجهاز الاستخباراتي، وفي سابقة فريدة من نوعها قامت الحكومة الإسرائيلية بتعيين (عليزا ماجين) في منصب نائب رئيس الموساد نظرًا لخدماتها الكبيرة ونشاطها الإرهابي.
ومنذ بدء التجسس في التاريخ قامت الصلة بينه وبين الشرك الجنسي ففي الكتاب الرابع من موسى تنقذ العاهرة (راحاب) حياة جاسوسين من جواسيس يشوع من قبضة جهاز مكافحة الاستخبارات في مملكة أريحا. ويحدثنا التاريخ الحديث أن إحدى خليفات (راحاب) في تجارة الحب والجنس هي (ماتا هاري)، وهي غانية هولندية عملت لحساب الألمان في الحرب العالمية الأولى وأعدمها الفرنسيون.
ومنذ بداية جهاز الموساد الإسرائيلي عرف قيمة (الشرك الجنسي) ويقول أحد الرؤساء السابقين للموساد واسمه (مائير عاميت) في موضوع استغلال المرأة في عمليات التجسس: “إنه أحد الأسلحة، فالمرأة تتمتع بمهارات تميزها عن الرجل. إنها تعرف كيف تصغي، وحديث الوسادة ليس مشكلة عندها. إن تاريخ الاستخبارات الحديثة مليء بقصص النساء اللواتي يستخدمن أجسادهن من أجل خير بلادهن. ومن الحماقة القول بأن إسرائيل لم تفعل ذلك. لكن نساءنا متطوعات نبيلات المشاعر، وهن يعرفن ما ينتظرهن من مخاطر. إن مثل هذه المهام تطلب شجاعة من نوع خاص. وليس المهم مضاجعة شخص ما، بل جعله يعتقد أنك ستفعل ذلك في مقابل ما سيطلعك من أسرار وتأتي بعد هذا المهارات العظيمة التي يجري استغلالها لهذا الغرض”.