قراءة بين السطور

ما أبعد البارحة من اليوم قراءة بين السطور

سعود السمكة

سعود السمكة

حين يلاحظ المرء هذا الانحطاط المرعب في الأداء الذي وصل إليه مجلس الأمة، لا يمكن إلا ان يتحسر ويترحم على أولئك الفرسان، وتلك القامات ورجال الدولة الذين صنعوا دولة الدستور، وسقوها من عطائهم الطاهر النبيل، وجعلوا من الكويت دولة ذاع صيتها في الامصار، وغدت حديث العالمية، رجال صنعوا لها جغرافيا سياسية تعوضها عن جغرافيتها الكونية المتواضعة ومن سكانها شعباً مبدعاً رغم قلة عددهم.
رجال خرجوا من بيوت الطين ومن أهوال البحر وقساوة الصحراء فحفروا بالصخر ليجعلوا منه قواعد وأساسات لعروس الخليج عملوا فأخلصوا وبنوا فأبدعوا في التعليم والتجارة والاقتصاد والأدب والفن والثقافة وفي السياسة، وأرسوا لنا نظاماً فاجأ العالم بجرأته إذ جعلوا من الكويت هذه الواحة المتواضعة تعلن عن نفسها بأنها أصبحت دولة ديمقراطية، السيادة فيها للأمة وصنعوا لها دستوراً يعد من أفضل الدساتير في العالم رغم ان تلك القامات لم تتح لها فرصة التعليم الجامعي كما هو متوفر اليوم، إلا ان جامعاتهم كانت تسكن صدورهم في شتى التخصصات، حكمة وصبراً وبعد نظر وعقلاً مدبراً، بالإضافة وهذا هو المهم، كانت صدورهم عامرة بالصدق والأمانة ونفوسهم عامرة بالزهد وعزة النفس والحماس المتزن لبناء وطنهم الجديد ونجحوا وحق لهم ان يتباهوا فيه، حيث تفوق رغم حداثته في التعليم والتطبيب والأدب والفن والثقافة والرياضة والعمارة والإدارة والتجارة والاقتصاد على محيطه.
لقد كانوا في تناقس دائم فيما بينهم وسباق لمزيد من العطاء، فجميعهم دون استثناء كرماء مع وطنهم، أعطوه أكثر مما أخذوا منه، رجال عاهدوا الله على أن يبحروا بهذا الوطن الى العالمية، عضواً في مجلس الأمن وفي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ومنظمة دول عدم الانحياز، ومنظمة الدول الاسلامية.
كانوا برلمانيين من الطراز الأول رغم حداثتهم بهذه المهنة لأنهم كانوا محترمين ويقدسون العمل الوطني، ويحترمون المسؤولية إلى ابعد الحدود لم يكن بينهم فاسد ولا راش ولا مرتش، بل كانوا إذا اقسموا بروا، وإذا عملوا أخلصوا وإذا تحدثوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا، حيث كانت الأمانة حاضرة والصدق قائماً ونكران الذات حقيقة في نفوسهم وعنواناً على اخلاصهم لهذا الوطن المعطاء.
أولئك الرجال وتلك البلاغات الاخلاقية الراقية هم الذين وضعوا هذا الوطن في قلب الصدارة فقراؤهم اغنياء وأغنياؤهم بسطاء تواطنوا هذه الأرض الصحراء القاحلة الخالية من الماء والزرع فصنعوا منه وطناً وجسدوا فيه القيم الفاضلة والاصالة في الدين، حيث تمسكوا بسماحته التي تحمي الطوائف والأديان والمذاهب لم يعرفوا التطرف والتحرب وازدواجية الولاء والتقسيمات الطائفية والقبلية.
أقول: حين نقلب هذه الصفحة الناصعة البياض في تاريخ هذا الوطن ونأتي لصفحة الحاضر ونرى هذا المجون والانحطاط الذي يمارس اليوم في قاعة عبدالله السالم ليس فقط نشعر بالأسى والمرارة والغثيان، بل نشعر بالرعب على مستقبل هذا الوطن، فالقاعة لم تعد تلك القاعة التي كانت تضم تلك القامات وأولئك الفرسان إذ انها خالية من الهوى الوطني والأنفس الناكرة لذواتها، والصدور العامرة بحب الكويت، بل غدت عامرة بثقافة البلطجة التشريعية ونواب الريموت والحزبية البغيضة التي لا يوجد شيء في قلوبها ينم عن الاخلاص لهذا الوطن، بل هواها خارج هذا الوطن بل هواها وولاؤها لمن وظفها للتجسس على هذا الوطن، فما أبعد البارحة من اليوم!