ما أفسده اجتماع غوادلوب يصلحه عطار وارسو بإسقاط نظام الملالي

0 469

أحمد عبد العزيز الجارالله

تبلغ المسافة بين جزيرة غوادلوب في البحر الكاريبي والعاصمة البولندية وارسو نحو ثمانية آلاف كيلومتر، فيما المسافة الزمنية بين المؤتمر الرباعي الذي حسم مصير الشاه قبل شهر من إعلان سقوطه وبين المؤتمر الذي ضم 60 دولة لوضع الخطوط العريضة لمحاربة إرهاب إيران هي 40 سنة.
في ذاك الاجتماع كان همّ الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية حينذاك هو سعر النفط، الذي أعلن الشاه محمد رضا بهلوي قبلها بأشهر أنه يسعى إلى رفع أسعاره “إلى 80 دولارا لتتناسب مع حاجات الشعب والتنمية وقيمة ما ينتج عن النفط”، كما قال في آخر حديث الى “السياسة” قبل أن يذهب إلى منفاه.
يومها كانت لا تزال ماثلة في الأذهان الغربية والأوروبية قضية قطع النفط عام 1973 في اطار حرب اكتوبر العربية- الإسرائيلية، والخوف من عودة البطالة والركود إلى تلك الدول، ولهذا اتخذ القرار بذلك الاجتماع بالتخلي عن الشاه، وأن يترك مصيره لشعبه، وجرت الاتصالات الأميركية والفرنسية مع آية الله الخميني في منفاه الباريسي، والتعهدات التي قدمها الاخير الى الرئيس كارتر في ما يتعلق بـ”عدم الخوف على المصالح الأميركية في إيران، ويجب ألّا يكون هناك أي خوف بشأن النفط، اذ ليس صحيحًا أننا لن نبيع النفط للولايات المتحدة”.
كانت هذه الرسالة السرية واحدة من تعهدات عدة قدمها الخميني، ما دفع واشنطن الى تسهيل خروج الشاه إلى المنفى وعودة الخميني، بمعنى آخر كانت السبب الرئيس في تغيير جذري في بنية نظام استمر 2500 سنة، لكن أسقطه سوء تقدير أميركي- أوروبي مشترك، كما سيتضح لاحقا بعدما أعلن الخميني مشروعه الكامل للمنطقة والعالم، القائم على “تصدير الثورة” و”تشييع الإقليم”.
في تلك المرحلة لم تكن لدى الشاه ميليشيات إرهابية تعيث خرابا في العالم العربي، والمحيط الحيوي للمصالح الأميركية والغربية عموما، فيما الخميني ومنذ اليوم الاول في السلطة عمد الى استغلال بعض القوى السياسية العربية المنسجمة عقائديا مع ثقافته الدينية، لبناء قوى مسلحة، استغلها جيدا أثناء الحرب الايرانية- العراقية، في سلسلة من التفجيرات ومحاولات اغتيال في الكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين والامارات، وصلت الى حد إنشاء دويلة إرهابية متمثلة بـ”حزب الله” في لبنان ضمن الدولة.
فيما انتشر الارهاب الايراني لاحقا في العالم كله، بدءا من المنطقة العربية وصولا الى أميركا اللاتينية وأوروبا وافريقيا، تحولت سفارات نظام الملالي أوكار مخابرات، تخطف المعارضين وتغتالهم، وتمارس كل أنواع التخريب، وهو ما جعل المجتمع الدولي حذرا في البداية من التعامل مع هذا النظام، ليتطور الأمر لاحقا إلى مقاطعته وحصاره، خصوصا في ظل استمرار برامجه العسكرية، سواء في المجال النووي، أو الصواريخ البالستية، وتهديداته المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، ولاحقا بعد إنشاء ميليشيا الحوثي في اليمن، اعلانه الصريح عن سعيه الى اقفال مضيق باب المندب في وجه التجارة العالمية.
كل هذا جعل المعالجات السياسية للأزمة مع نظام الملالي سرابا لا يمكن الرهان عليها، لاسيما بعد الاتفاق النووي مع الدول الكبرى الست، وتوظيفه الأموال التي حصل عليها من تلك الدول في مشروعه التوسعي الموهوم غير القابل للتحقيق في الظروف الدولية التي استجدت بعد الحرب العالمية الثانية، ولاحقا زوال الاتحاد السوفياتي.
اليوم، بعد 40 عاماً على ذلك الاجتماع الرباعي التاريخي لجأ المجتمع الدولي إلى خيار السعي لحماية الشعب الإيراني أولا من القمع الممنهج الذي يمارسه نظام الملالي، والتجويع المستمرحتى لا تنزلق الأوضاع الى حرب أهلية تنتج عنها ازمة لاجئين أين منها أزمة سورية والعراق، إضافة الى معالجة آفة الارهاب التي تسبب بها هذا النظام من خلال إثارته النعرات والفتن الطائفية.
أيقن العالم بعد موجة الاضطرابات والحروب الأهلية التي عمت بعض الدول العربية انه لا يمكن القضاء على الارهاب من دون معالجة أسبابه، وأحدها هو السياسة الايرانية المستمرة منذ العام 1979، خصوصا ان الدور الإيراني داخل كثير من الصراعات في الشرق الأوسط أصبح عاملا معيقاً لأي توجه للقضاء على المجموعات الإرهابية، بعدما بدأت تلك التابعة له تعمل على تفكيك الدول والمجتمعات، خصوصا في العراق وسورية واليمن ولبنان، وذلك من بين الأسباب الرئيسية للتوترات المستمرة والنزاعات في جميع أنحاء المنطقة.
على هذا الأساس بات وجود التحالف الدولي الذي نشأ عن مؤتمر وارسو هو الحل الأمثل لوقف كل هذا العبث الارهابي المدمر الذي يمارسه نظام الملالي في العالم.
رغم بعد المسافة زمنيا وجغرافياً بين جزيرة غوادلوب والعاصمة البولندية وارسو، إلا ان المجتمع الدولي يبدو انه بدأ العمل جديا على إصلاح خطأ ستراتيجي وقع فيه زعماء الدول الاربع قبل 40 عاما، لكن هذه المرة بإرادة جامعة وعزم 60 دولة على التخلص من نظام لم يعد هناك شك بأنه مصدر شر مطلق للعالم.

You might also like