“ما الحب ّ إلاّ للحبيب ِ الأوّلِ” محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

الحب أيها السادة تيار جارف لا يمكن أن يقاوم أو يصد، هو ميل شديد وانجذاب وإعجاب إلى شخص ما، ومكان الحب سويداء القلب، وليس ثمة شيء أرق وألطف وأعذب من الحب على الإطلاق، ودائما يحن المرء ويشتاق إلى حبه الأول حتى وإن تقدم به العمر.
لا يمكن بأي حال من الأحوال نسيانه، يتذكر هذا الحب بحلوه ومره، وأحزانه وأفراحه، لماذا لأنه دخل قلبا فارغا لم يدخله أحد قبله، خاصة أنه يأتي في مرحلة الشباب المبكر، لذا لا يمكن نسيانه بأي حال من الأحوال، وللحب أسماء، منها: الصبوة – الهوى – الكلف – الوجد – الشوق – العشق – الجوى – الود – الوصب – الاستكانة – الغرام – الخلة – الهيام، وأنت أيها المرء، أحبب من شئت، ولينتقل قلبك من حب إلى حب، لن ولم تجد مثل حبك الأول:
“نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول”.
بيت صادق فليس الحب الأول من تشتاقه فقط، وإنما كل قديم لك تشتاقه، سكنك الأول، مرابع طفولتك، أصدقائك القدماء وغير ذلك:
” كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل”.
هذا ما قاله الشاعر العباسي: أبو تمام، حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، من كبار الشعراء وأمراء البيان، ولد في مدينة جاسم وهي قرية من قرى حوران سنة 188 هـ في خلافة هارون الرشيد الخليفة العباسي (170 – 193هـ) وسافر إلى مصر في أول شبابه، ثم غادر إلى بغداد بعد أن استدعاه الخليفة الثامن محمد المعتصم بالله، (218 – 227 هـ) فأجازه وقدمه على شعراء عصره، وصف بأنه أسمر طويل، حلو الكلام به تمتمة لا تكاد تظهر، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب، غير القصائد، يقول الصولي: “كان ابو تمام أجش الصوت، يصطحب معه راوية حسن الصوت ينشد عنه أمام الخلفاء والأمراء، وفي حداثته كان يسقي الماء، ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم، وصف بشدة الذكاء وحسن العشرة والظرف والسماحة، دوت شهرته وذاع صيته وأصبح المقدم على الشعراء، ولم يصل مداه إلا البحتري”، وهو صاحب الأبيات الشهيرة:
“السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخميسين لا في السبعة الشهب”.
وهي أبيات كثيرة يذكر بها فتح عمورية، ويكذب بها المنجمين، وهي القصة المشهورة المعروفة بوا معتصماه، ومن قصص ذكاء هذا الشاعر وسرعة بديهته، وحضور ذهنه، ما ذكره القاضي ابن خلكان في وفيات الأعيان، حيث قال: “دخل أبو تمام على العباس بن عبدالله المأمون، فأثنى عليه بأبيات منها قوله:
“إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس”.
فقال له أحد الحاضرين: “أتشبه الأمير سليل الدوحة الهاشمية بهؤلاء الأجلاف” هو أكبر قدراً مما ذكرت، فأطرق أبو تمام قليلاً ثم رفع رأسه وقال:
” لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلا من المشكاة والنبراس”.
فتعجبوا من حضور ذهنه، وقالوا للأمير: “أعطه ما يريد، فلن يعيش هذا الفتى طويلاً، لشدة ذكائه”.
فقال له الأمير: :ما تريد”؟ قال: “بريد الموصل”. فأعطاه ذلك، وقد طالعوا القصيدة، فلم يجدوا بها هذين البيتين، فعلموا أنه قالهما ارتجالاً، أما عمرو الذي ذكره بالشجاعة والإقدام فهو: عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس اليمن، وحاتم، كريم العرب حاتم بن عبدالله الطائي، وحلم أحنف يعني به التابعي الجليل: الأحنف بن قيس التميمي، وإياس هو القاضي المشهور: أبو وائلة إياس بن معاوية بن قرة المزني. وابو تمام القائل في الحسود:
” أصبر على مضض الحسود
فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله”.
وقد يرى المتابع لسيرة أبو تمام تشابها في نفس الشعر بينه وبين البحتري الذي يعد امتدادا طبيعيا له، والبحتري تلميذ لأبي تمام، رغم أن البعض جعل البحتري يتفوق على أبو تمام.
ذكر محمد بن عبدالملك أنه لما مات أبو تمام، اغتم الخليفة هارون الواثق لذلك، وقال له: “لقد غمني موت الطائي الشاعر”، وهذا الحديث بين الخليفة ووزيره دليل على المكانة العالية التي وصلها أبو تمام حتى أن الخليفة يتأسف لموته، ومن شعره السائر قوله:
“إذا جاريت في خلق دنيئاً
فأنت ومن تجاريه سواء
رأيت الحر يجتنب المخازي
ويحميه عن الغدر الوفاء
وما من شدة إلا سيأتي
لها من بعد شدتها رخاء
لقد جربت هذا الدهر حتى
أفادتني التجارب والعناء
إذا ما رأس أهل البيت ولى
بدا لهم من الناس الجفاء
يعيش المرء ما استحيا بخير
ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا والله ما في العيش خير
ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي
ولم تستح فأصنع ما تشاء”.
ولشاعرنا مؤلفات عدة منها”كتاب فحول الشعراء” – “ديوان الحماسة” وهو من الكتب المشهورة – كتاب “مختار أشعار القبائل” – “نقائض جرير والفرزدق” – ديوان شعره، وله في الغزل قصائد في غاية الجودة، منها قوله: “يقولون في البستان للعين راحة
وفي الراح والماء الذي غير آسن
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها
ففي وجه من تهوى جميع المحاسن

وهو القائل:
“أبادرها بالشكر قبل وصالها
وإن هجرت يوما طلبت لها عذرا
وأجعلها في العذر عندي وفية
وإن زعمت أني لها مضمر غدرا
أتاها بطيب أهلها فتضاحكت
وقالت أيبغي العطر ويحكم العطرا؟
أحاديثها در ودر كلامها
ولم أر درا قبله ينظم الدرا”.
قال محمد بن موسى: ” اهتم الحسن بن وهب بأبي تمام، فولاه بريد الموصل، فأقام بها سنة ومات في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومئتين ودفن بالموصل، وبني على قبرة أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة، ورثاه الحسن بن وهب بأبيات يقول في بعضها:
” سقت بالموصل القبر الغريبا
سحائب ينتحبن له نحيبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي
حبيبا كان يدعي لي حبيبا
ظريفاً شاعراً فطنا لبيباً
أصيل الرأي في الجُلّى أريبا
إذا شاهدته رواك مما
يسرك رقة منه وطيبا”.
جف القلم ونشفت المحبرة في آمان الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 + سبعة عشر =