ما سر تقدم ثاني أكبر اقتصاد في العالم؟

0 94

محمد بغدادي

كيف تقدمت بكين؟ وما سر النجاح الذي بفضله أذهلت العالم؟ وما وجه الاستفادة من التجربة الصينية؟ حيث أثار النمو الاقتصادي الصيني الذي بدأ قبل عقدين من الزمان علامات استفهام كبرى، إذ يعتبر معدل النمو العام الصيني معجزة اقتصادية عالمية، في المدة الزمنية القصيرة التي تحقق خلالها، وفي قدرته على الاستمرار مرتفعا، رغم الأزمات المالية المختلفة التي وقعت خلال العقدين الأخيرين.
إن الاقتصاد الصيني الذي كان أكبر اقتصاد في العالم عام 1820 يقف اليوم في المرتبة الثانية بعد واشنطن ويبقى، بطبيعة الحال، مهما جدا للاقتصاد الدولي، إذ إن أي هزات قد تصيبه ستكون لديها انعكاسات تنتشر إلى دول الكرة الأرضية، فمنذ عام 2010 الصين هي أكبر مصدر للسلع التجارية وثاني أكبر مستورد لها كما أنها خامس أكبر مصدر وثالث أكبر مستورد للخدمات التجارية.
إن الادعاء بأن بكين قد خلقت نموذجاً تقدمياً خاصاً بها ليس بعيداً عن الحقيقة، وميزة مهمة فيه يمكن أن تسمى “إدارة التنمية”، فمن المؤكد أن الخطط الوطنية الخمسية للصين والمؤتمر الاقتصادي السنوي للحزب الشيوعي الصيني هي جزء من إدارة التنمية فؤ الصين.
وينطبق الشيء نفسه على الكثير من ستراتيجيات وخطط التنمية المحلية،حيث يبلغ معدل دخل الفرد في الصين نحو 6100 دولار بينما يقدر حجم القوة العاملة بنحو807.7 ملايين نسمة، ويبلغ معدل البطالة 4 في المئة في العام 2008.
وتضمنت ميزانية الصين عام 2008 إجمالي مداخيل قدره 868.6 مليار دولار، وإجمالي مصاريف قيمته 850.5 مليار دولار، بينما وصل معدل التضخم 6في المئة.
والتساؤل الذي يطرح نفسه، كيف تقدمت هذه الدولة؟ وهناك الكثير من الأسباب منها:
– تحقيق قفزة تنموية ضخمة:
بدأت بكين في تحقيق إنجازاتها الاقتصادية الهائلة منذ عام 1978، حيث وصل معدل النمو السنوي في هذه الفترة إلى 9 في المئة. وفي عام 1992، بلغت نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي 12.8%. وفي المتوسط، بلغ النمو الذي حققه الاقتصاد الصيني نحو 9.8في المئة سنويا خلال الفترة “1983 – 2004”.
– العدالة في توزيع الدخل:
كانت العدالة ولا تزال على رأس أولويات القيادة الصينية حيث لا يكفي قيام الدولة بتحقيق معدل كبير للنمو الاقتصادي لكي تحقق نجاحا كبيرا في قضية محاربة الفقر بها، بل يجب أن يصاحب ذلك ويدعمه انتهاج سياسات توزيعية جادة من شأنها ضبط العلاقة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع في جني آثار ذلك النمو المتحقق.
– مكافحة الفساد:
شن الحزب الشيوعي الصيني خلال الفترة من 1995 حتى 2002 حملة كبيرة على الفساد في الدولة، بل شهدت هذه الفترة محاكمة أي مسؤول أيا كان منصبه الحزبي أو السياسي أو التنفيذي، كما شهدت تلك الفترة أيضا حملة قومية لمحاربة الفساد الحكومي، طالت عددا من المسؤولين رفيعي المستوى. فقد أسفرت هذه الحملة عن إقالة عدد كبير من كبار رجال الدولة، منهم وزير العدل وعدد من نواب المحافظين وبعض العمد في الأقاليم ومسؤول أمني كبير.
– إعطاء مساحة كبيرة للإبداع والتطوير:
ويشير العديد من الدراسات إلى تنامي القدرات الصينية التكنولوجية، وذلك من خلال الالتزام بسياسة واضحة تشجع نقل وإنتاج التكنولوجيا، ففي عام 1992 تم إنشاء 32 منطقة لتنمية الاقتصاد والتكنولوجيا، و52 منطقة لصناعة التكنولوجيا المتطورة، كما توجد بالصين آلاف الشركات الأجنبية والمشتركة التي تقوم بنقل التكنولوجيا إلى البلاد.
ولا تزال الصين تواجه العديد من التهديدات الداخلية والخارجية التي تتراوح من الفساد إلى فجوات الدخل الإقليمية والتدهور البيئي، ولكن الصين هي في الواقع أفضل مما كانت عليه في أي وقت في تاريخها الحديث.
وتعتبر البلاد الآن أكبر مختبر في العالم للتجريب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتوجد كل الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأن الصين، التي لديها نظام سياسي مُتكيف بشكل مستمر، سوف تصل إلى هدفها المتمثل في أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم في غضون عقد من الزمن مع كل الآثار المترتبة على الصين نفسها وبالنسبة لبقية العالم بأسره.
والتساؤل الآن، كيف نستفيد من التجربة الصينية؟ فهناك الكثير مما يمكن لنا اقتباسه من التجربة الصينية حتى نستطيع تحقيق قدر معقول في مكافحة الفقر، الذي بدأ يستشري في أوصال مجتمعنا الآن بشكل لم يسبق له مثيل.
إن الحكمة هي ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أولى بها، فليس معنى أننا فشلنا في تحقيق مكانة متميزة بين دول العالم ألا نستفيد من التجارب الناجحة لبعض الدول … أو أن نظل نبكي على اللبن المسكوب، بل علينا أن نشمر ونجتهد وندرس تلك التجارب الناجحة، للاستفادة منها ومحاولة محاكاتها وتطبيق أبعادها، بعد إخضاعها لكي تتلاءم مع ظروفنا وتتواكب مع هويتنا.
وإذا كانت الصين، البلد الذي يعيش فيه ما يزيد عن المليار نسمة قد نجح في محاربة الفقر، وتقليص أعداد الفقراء إلى هذه الدرجة، فلابد لنا من محاولة محاكاة هذه التجربة التنموية الرائدة، التي اعتمدت على الكثافة السكانية واتخذت منها سبيلا للنمو الاقتصادي، بدلا من البكاء والعويل على أن هذه الزيادة هي سبب كل المشكلات الاقتصادية التي يعاني البلد منها.
باحث دكتوراة

You might also like