مبارك بين البشر والحجر

0 155

بسام القصاص

“إن هذا الوطن العزيز وطني مثلما هو وطن كل مصري ومصرية، فيه عشت، وحاربت من أجله، ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه، وعلى أرضه أموت. وسيحكم التاريخ عليَّ وعلى غيري بما لنا أو علينا…إن الوطن باقٍ والأشخاص زائلون، ومصر العريقة هي الخالدة أبدًا”.
تلك كانت كلمات من الخطاب قبل الأخير الذي ألقاه الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في خطابه الشهير إبان ثورة 25 يناير التي نزل فيها المصريون للتعبير عن سوء أوضاعهم كل حسب ما يراه، فلم يتفق المصريون إلا على سوء معيشتهم، فمنهم من كان معترضا على سقف الحريات، وبخاصة في ظل القبضة الأمنية المشددة التي كانت موجوده انذاك، وهناك من كان معترضا على شح الدخل، وما كان أمام مبارك في ذلك الوقت سوى التنحي حتى لا تغرق مصر في بحر الفوضى.
رغم أن تعاقب على مصر بعد التنحي أربعة أنظمة، بداية من المجلس العسكري الذي أدار البلاد عقب التنحي، ثم الرئيس المخلوع(الإخواني)، مرورا برئيس موقت جاء بعد الموجة الثانية للثورة في 30 يونيو، وصولا إلى الرئيس السيسي المنتخب من الشعب، والذي لا يزال في سدة الحكم.
إلا أن بوفاة الرئيس محمد حسني مبارك، تغيرت الصورة تماما، من رئيس متهم بضياع أمة إلى رئيس وطني له ما له وعليه ما عليه، لنكون أمام معضلة البشر والحجر.
البشر المفطورون على الرحمة والتسامح، والحجر هم غلاظ القلوب الذين لا يهابون الموت، ولا يتعاطفون مع ضعيف، فالمصريون لم ولن ينسوا لمبارك أخطاءه في حقهم وحق مصر، وأنه كان باستطاعته جعل المصريين يعيشون في وطن أكثر تحضرا ورقيا، رغم استمراره في الحكم 30 عاما، لكن فور ما أُعلنت وفاته تزامنا مع إعلان دفنه في جنازة عسكرية رسمية حضرها الرئيس المصري، اتضح أن المصريين بشر وليسوا حجرا، فقد تغير المزاج العام تماما، وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ بتغريدات وهاشتقات كلها تترحم على الرئيس السابق ووصفه بالوطني، وبخاصة مشاركته الكبيرة في انتصار حرب 73 المجيدة.
ما يدل أن للمصريين”كبير”، نعم المصريون لهم رأس دولة يستطيع أن يتحكم في مشاعرهم لأنهم يحبونه، ويثقون فيه، ففور إعلان الجنازة العسكرية وبعد أن تأكد المصريون أن رئيسهم سيحضرها، اختلف تماما رأيهم، وهذا ليس عيبا، بل ميزة تدل على ثقتهم في قائدهم الذي يرى أن الرئيس السابق كانت له خدمات جليلة قدمها لمصر، وهو رأس الدولة، وبالطبع هو أعلم منا بتفاصيل لا نعرفها ولن نعرفها، فقد تعد من أسرار الدولة، وبالتبعية الرئيس السيسي لن يضع نفسه في صورة لن تعجب المصريين، إلا إذا كان على يقين أن للرئيس الراحل منجزات تمت في عهده الى جانب مساوئه، لكنه لم يكن تابعا لجماعة أو لدولة خارجية، بل كان وطنيا لكن خانه تقديره قليلا.
فالرئيس السابق مبارك استطاع أن يبنى علاقات قوية مع الدول الغربية خلال فترة حكمه، وكان حليفا قويا، لكن بشروط مصرية، وكذلك استطاع إسقاط الكثير والكثير من ديون مصر التي كانت عبئا على البلد في ذلك الوقت.
لكن وشهادة حق، مبارك كان رجل دولة، حمى مصر من أخطار كثيرة، وكان حريصا على مصالح أشقائه العرب وسلامة أوطانهم، إذ كان يعدهم أشقاء بكل ما تحمله الكلمة، لكنه لم يهتم كثيرا بإصلاح حال الشعب المصري، قد تكون الأسباب وراء ذلك ضيق الحال وكثرة السكان كما كان يردد، وقد يكون عدم اكتراث بهم، ولكن في المجمل الحياة كانت مستقرة، لم يؤرق أحوال المصريين إلا القبضة الأمنية الزائدة حينها، وبعض رجال الحاشية الذين عاثوا في مصر مفسدين متخذين من أشخاصا بعينهم ستارا لأعمالهم ونهب ثروات المصريين.
مبارك في دار الحق الآن، ومصر في يد وطنية أمينة وشريفة يعرف معنى الوطن ويعرف كيف يعمل على راحة شعبه ببناء وطن متحضر صاحب قرار ورؤية مستقبلية.
ولا يسعنا إلا أن نقول رحمة الله على الرئيس السابق مبارك الذي قابلته مرتين في أثناء فترة حكمه، ولا أنسى أنني مصري أولا وأخيرا، وهو رئيس قضى 30 عاماً في حكم مصر، وقبلها كان محاربا للذود عن أرض الوطن واستعادة الكرامة، لذا وجب أن نكون منصفين في حكمنا عليه بناء على”له ما له وعليه ما عليه”.

كاتب مصري

You might also like