متى تعترفون باللقيطة… الهيئة العامة للطرق؟ بقايا خيال

0 12

يوسف عبدالكريم الزنكوي

الصدفة البحتة جرتني لقراءة مقالة عضو مجلس إدارة الهيئة العامة للطرق والنقل البري الأخ حسين محمد العوضي ، رداً على مقالة الزميل علي البغلي بجريدة “القبس” وتساءلت حينها: لماذا يطالب البعض بإلغاء الهيئة العامة للطرق والنقل البري؟ وإذا كانت هذه الهيئة تعد ضرراً على المال العام، وتعرقل جهود التنمية إلى هذا الحد، لمذا أنشئت إذن؟ ألم يكن تأسيسها لفك التشابكات بين إدارات حكومية ذات مهام متشابهة؟ ألم يكن تأسيسها من أجل التخلص من الدورة المستندية والروتين الممل الذي عرقل الكثير من المشاريع الحيوية؟ ألم يكن سبب إنشاء هيئة الطرق من أجل خفض النفقات الإدارية والفنية الباهظة التي تتكبدها الدولة بسبب وجود إدارات هندسية عدة للطرق، وإن بأسماء مختلفة، في أكثر من أربع وزارات، وكل إدارة من هذه الإدارات لها ميزانيتها الملايينية التي تزيد في مجموعها على المليار دينار سنويا؟
ولأننا من الداعين إلى الحفاظ على المال العام، فقد لفتت انتباهي الفقرة الأخيرة من مقالة الزميل البغلي التي يقول فيها: “نقول لهؤلاء وغيرهم : إذا كان سبب تمسككم بتلك الهيئة الخاوية الخالية من انجاز هو خشيتكم من حرمان القائمين عليها الحاليين من الامتيازات الخيالية التي يتقاضونها، فهيئات حكومتكم الرشيدة الهلامية أكثر من أن تعد وتحصى، وبالإمكان تضبيط أحبابكم في إحداها، بس فكونا من تلك الهيئة”. ولمعرفتي التامة بالجهود المضنية والمخلصة التي يبذلها القائمون على الهيئة العامة للطرق، اتصلت بمصادر موثوقة لتزويدي بالمعلومات الضرورية التي سترد في مقالتي هذه. ومنها أن “الامتيازات الخيالية التي يتقاضاها أعضاء مجلس إدارة الهيئة العامة للطرق من غير المتفرغين هي 4000 د.ك. فقط (أربعة آلاف دينار في السنة) لكل عضو، أي 330 دينارا شهرياً (وهو أقل من راتب سكرتير)، كل هذا مقابل أعمال لو قام بها مكتب استشارات هندسية لكانت بملايين الدنانير.
في مارس من العام 2017، وقبل أن يعين المهندس أحمد الحصان مديراً عاماً للهيئة العامة للطرق والنقل البري بستة اشهر، كتبت مقالة بعنوان “لماذا أنشئت هيئة الطرق أصلاً”، ذلك لأن المتنفذين في السلطتين التنفيذية والتشريعية ومن خارجها أيضاً، كانوا يتصارعون على الفوز بأي قطعة من كعكة المناصب القيادية في هذه الهيئة ابتداءً من منصب المدير العام – الذي يعادل منصب وكيل وزارة – “وانت نازل”. هذا الصراع لم يكن خفيا ولا من وراء حجاب ولا خلف الكواليس، بل كان على مسرح الناس أمام الملأ، والفرجة بالمجان، ولهذا أصبح هذا الصراع – ولا يزال – السبب الرئيس في عرقلة جهود الإدارة التنفيذية في الهيئة لتحقيق أهدافها التي أنشئت من أجله، ومنها لم شمل كل إدارات الطرق التي تناثرت أشلاؤها بين وزارات ومؤسسات حكومية عدة تحت مظلة الهيئة. بل إنه نمى إلى علمنا أن تلك العرقلة كانت متعمدة أحياناً مع سبق الإصرار والترصد، من أجل الفوز بقطعة من كعكة تلك المناصب في هذه الهيئة.
نحن نعرف أن الحكومة والبرلمان يعلمان أن غياب منصب المدير العام وخلو مناصب نواب المدير العام كان له التأثير المباشر في تعطيل مسألة البت في تنفيذ مشاريع الهيئة العامة للطرق ونشاطاتها، ورغم ذلك، فقد انبرى بعض النواب والكتاب يطالبون بإلغائها، لاعتقادهم أنها لم تحقق أي إنجاز على أرض الواقع. لكن هل سيواصل هؤلاء مطالبتهم بإلغاء الهيئة العامة للطرق حتى لو عرفوا أن الحكومة أحالت توصية اللجنة التشريعية البرلمانية بإلغاء الهيئة إلى الأمانة العامة للتخطيط ، التي أكدت بدورها ضمن قرار صدر أخيراً قبل أيام، على ضرورة الإبقاء على هذه الهيئة لأهميتها في تحقيق التنمية الشاملة؟
إن أحد أهم أسباب الاختناقات المرورية يكمن في كثرة استخدام السيارات الخاصة، حتى أنه صار أمراً عادياً أن تجد أسرة مكونة من خمسة أشخاص لديها خمس سيارات، إذ إن امتلاك السيارات الخاصة يعد نتيجة حتمية لارتفاع درجة الحرارة خلال أغلب شهور السنة، الأمر الذي لا يشجع المقتدرين مالياً – وما أكثرهم بيننا – على الانتظار الطويل تحت الشمس الحارقة لمجرد ركوب وسيلة نقل عامة يستطيعون توفير وسيلة نقل أفضل منها من مالهم الخاص. إن غياب وسائل نقل عامة “مريحة” ومكيفة قريبة من كل المواقع، وخصوصاً مناطق السكن النموذجي، مثل الباص، والميني باص، والمتروباص، ومترو الأنفاق، وقطارات السكك الحديدية، والعبارات المائية، وغيرها، بالإضافة إلى غياب الجاذبية عن وسائل النقل الحالية لكي تستخدم من قبل جميع فئات المجتمع، أدى إلى فقدان الناس الثقة في نظام النقل العام، لأنها غير متوفرة لهم في كل الأوقات، أو في كل المواقع، الأمر الذي دفع نحو إنشاء هيئة فنية متخصصة كالهيئة العامة للطرق والنقل البري لدراسة السبل الكفيلة بتطوير وسائل النقل عموماً، وإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل المرورية والتقليل من حوادث الطرق التي تكلف الدولة خسائر في الأرواح وخسائر مادية باهظة تقدر بعشرات الملايين سنوياً.
وحتى هذه اللحظة نرى أن القطاع الخاص غير راغب بالاستثمار في هذا المجال بسبب تشتت الإدارات المعنية بالطرق في أكثر من جهة، لدرجة أدت إلى تشابك الاختصاصات وتداخل المسؤوليات بين جهات عدة في الدولة، ناهيك بغياب التنسيق بين هذه الجهات المعنية بقطاع وخدمات النقل، وأحيانا تجاهل المتابعة، فتكون النتيجة الحتمية في الغالب تعطيل تنفيذ مشاريع الطرق والبنية التحتية الحيوية، وبالتالي خسائر فادحة لأي مستثمر في هذا القطاع.
الأغرب من هذا كله أنه خلال السنوات السابقة، كنا نرى ونسمع أن أكثر من جهة حكومية مثلت دولة الكويت في المؤتمرات والمحافل الدولية المتعلقة بأعمال الطرق والنقل العام، بطريقة افتقرت إلى التنسيق فيما بين هذه الإدارات، كما غابت عنها الحرفية في عملية تبادل المعلومات والخبرات. وخير مثال على ما نقول، الاجتماعات الدائمة التي كانت تعقدها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي لمناقشة مواضيع تتعلق بقطاع النقل والطرق، حيث كان الوفد الكويتي يمثل أكثر من وزارة، ولك أن تتخيل لو أن رئاسة هذه الوفود كانت برتبة وزير، فأي وزير يجب أن يقع عليه الاختيار حينها؟.
وإلى جانب هذا التشتت الإداري الذي بسببه صدر مرسوم إنشاء الهيئة العامة للطرق والنقل العام، فقد عانى مجلس إدارة الهيئة من تراخي بعض الجهات الحكومية المعنية في نقل الإدارات والاختصاصات المنضوية تحت مسؤولياتها، والمقرر نقلها للهيئة تنفيذاً لقرار صدر من مجلس الوزراء في العام 2016، وهي نفس الجهات الحكومية التي شاركت هي في إعداد قانون إنشاء الهيئة. لهذه الأسباب وللتأخير في تعيين المدير العام للهيئة، قدم بعض أعضاء مجلس إدارة الهيئة استقالاتهم، فاستمر العمل من دون شغل المناصب الشاغرة ما زاد من حجم الجهد الملقى على عاتق ما تبقى من أعضاء مجلس الإدارة.
هذه بعض المعلومات التي استطعت أن أجمعها من مصادري الموثوقة خلال اليومين الماضيين عن الهيئة العامة للطرق، التي صارت كاللقيط، “اللي يكسر الخاطر” لكن لا أحد يرغب أن يتبناه. لهذا أستغرب من بعض الأصوات التي تطالب بإلغاء الهيئة العامة للطرق بعد أن بدأت للتو بمباشرة مسؤولياتها، وهي قرارات تذكرني بمن يلغي مسابقة للجري قبيل وصول المتسابقين إلى خط النهاية بثوان.

اعلامي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.